بداية الوصول في شرح كفاية الأصول - آل راضي، الشيخ محمد طاهر - الصفحة ٥٨ - منع الصغرى اذا اريد بالضرر المفسدة
و أما تفويت المصلحة، فلا شبهة في أنه ليس فيه مضرّة، بل ربما يكون في استيفائها المضرة (١)، كما في الاحسان
فانه يقال: ان المفسدة حيث لم يتحقق كونها شخصية فلا يجب دفعها بملاك فرار كل ذي شعور من الضرر، فلم يبق إلّا احتمال كونها نوعية، و لا بد حينئذ من انكار انطباق قاعدة الحسن و القبح عليها، و انه لا بناء من العقلاء على ذم مرتكب الضرر اذا كان ارتكابه لاجل جلب منفعة، و كيف ذلك و نرى العقلاء يرتكبون المضار المحققة اذا كان ارتكابها لاجل جلب منفعة.
و مما ذكرنا يعلم ان المفسدة اذا كانت شخصية فلا يجب دفعها ايضا بملاك فرار كل ذي شعور من الضرر، فانه انما يكون ذلك اذا لم يكن في ارتكابها جلب منفعة.
(١) هذا هو الجواب الثاني، و حاصله: انا لا نسلم ان كل ظن بالتكليف يستلزم الظن بالوقوع بالمفسدة، فان التكليف اما وجوبي او تحريمي، و التكليف التحريمي هو المعلول للمفسدة، و اما التكليف الوجوبي فهو معلول للمصلحة، فمخالفة التكليف التحريمي المظنون يستلزم الظن بالوقوع في المفسدة، و اما مخالفة التكليف الوجوبي المظنون انما يستلزم الظن بتفويت المصلحة، و فوت المصلحة فوت المصلحة لا وقوع في المفسدة، و الّا لرجع كل وجوب الى التحريم و هو واضح الفساد.
فلو سلّمنا ان بعض الظن بالتكليف يستلزم الظن بالوقوع في المفسدة و ان المفسدة مضرة، و لكن لا نسلّم ان كل ظن بالتكليف يستلزم ذلك، و انما يختص هذا التلازم في الظن بالتكليف التحريمي دون الوجوبي، فان اللازم في مخالفة التكليف الوجوبي هو الظن بفوت المصلحة دون الوقوع في المفسدة. و لا يخفى ان مرجع هذا الجواب الى نفي الايجاب الكلي.
و الحاصل: إنّا لو سلّمنا هذه الملازمة فانما نسلمها في الظن بالتكليف التحريمي دون الظن بالتكليف الوجوبي، و لذا قال: «و اما تفويت المصلحة فلا شبهة ... الى آخر الجملة».