الرسائل التوحيدية - العلامة الطباطبائي - الصفحة ٨٦ - فصل ٦فى الدلائل النقلية من الكتاب و السنة
و في آخر الآية عطف إلى أول الآيات و تحديد للغفلة بأنها إنما يكون و تتحقق في تفقهات القلوب و مبصرات العيون و مسموعات الآذان و أما شهادة النفس لنفسها و لربها فلا يحتجب بحجاب.
ثم إن في الآيات وَ إِذْ أَخَذَ... إلخ إشارة كما علمت إلى أن هذا الموطن و إن أوجب منهم شهادة بالربوبية لكنّه لم يخل مع ذلك عن موحد و مشرك فقد انشعب عن هناك توحيد و شرك و في تعبيره عن المشركين بالمبطلين في آخر الآيات إشارة إلى وجه انشعابهما فالابطال مع شهادة نفوسهم هو الموجب لشركهم مع توحيدهم [١] و لذلك لعله سبحانه عبر عن هذين الأمرين بالطوع و الكره في قوله سبحانه: وَ لَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ طَوْعاً وَ كَرْهاً وَ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ الآية و قوله تعالى: ثُمَّ اِسْتَوىََ إِلَى اَلسَّمََاءِ وَ هِيَ دُخََانٌ فَقََالَ لَهََا وَ لِلْأَرْضِ اِئْتِيََا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قََالَتََا أَتَيْنََا طََائِعِينَ `فَقَضََاهُنَّ سَبْعَ سَمََاوََاتٍ الآية.
و هذا الأخذ و الإشهاد هو الذي يعبر عنه سبحانه بالميثاق في قوله: وَ إِذْ أَخَذْنََا مِنَ اَلنَّبِيِّينَ مِيثََاقَهُمْ وَ مِنْكَ وَ مِنْ نُوحٍ وَ إِبْرََاهِيمَ
[١] و يستفاد هذا من قوله تعالى: إِنََّا عَرَضْنَا اَلْأَمََانَةَ عَلَى اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ اَلْجِبََالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهََا وَ أَشْفَقْنَ مِنْهََا وَ حَمَلَهَا اَلْإِنْسََانُ إِنَّهُ كََانَ ظَلُوماً جَهُولاً الآية، ذكر سبحانه انّ الإنسان حمل أمانة لم تتحملها السموات و غيرها و ذلك انّه كان ظلوما جهولا، ثم ذكر غاية هذا العرض و الحمل بقوله سبحانه: لِيُعَذِّبَ اَللََّهُ اَلْمُنََافِقِينَ وَ اَلْمُنََافِقََاتِ وَ اَلْمُشْرِكِينَ وَ اَلْمُشْرِكََاتِ وَ يَتُوبَ اَللََّهُ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ وَ اَلْمُؤْمِنََاتِ وَ كََانَ اَللََّهُ غَفُوراً رَحِيماً الآية، قسّم تعالى الإنسان في غاية هذا العرض إلى قسمين المنافق و المؤمن إشعارا بأن لا كافر هناك لعموم الحمل فلا رد و هو الميثاق، و قوله: وَ يَتُوبَ اَللََّهُ... الخ، دليل على أن السعادة من الله و التوبة منه، و قوله: وَ كََانَ اَللََّهُ... الخ، في مقام تعليل العرض و إن المقتضى له صفة الغفران و الرحمة و أمّا صفة التعذيب و الانتقام و نحوهما فبعرض المغفرة و الرحمة الخاصة إذ ظهور النجاة في العالم يستدعي وجود هالكين و مستحقين فيهم النجاة كما لا يخفى و إذا تدبّرت في هذه الآية وجدتها من آيات الشفاعة و الله الهادي.