الرسائل التوحيدية - العلامة الطباطبائي - الصفحة ٢١١
فالإنسان إنّما يختلط في هذه الدار الدنيا بقسمين من موجوداتها و شئوناتها.
أحدهما ما يزعم أنّه يملكه من زينة الحياة الدنيا و زخرفها و يستعين به في آماله و أمانيه و أغراضه و غاياته.
و الثاني ما يرتبط به مما يزعمه شفيعا لا يتمكن من بلوغ المآرب إلاّ بشراكته و تأثيره من أزواج و أولاد و أقارب و أصدقاء و معاريف أولي القوة و البأس فأشار سبحانه إلى بطلانهما بالجملة بقوله: وَ لَقَدْ جِئْتُمُونََا فُرََادىََ و إلى زوال القسم الأول بقوله: وَ تَرَكْتُمْ مََا خَوَّلْنََاكُمْ و إلى زوال القسم الثاني بقوله: وَ مََا نَرىََ مَعَكُمْ شُفَعََاءَكُمُ و إلى سبب البطلان بقوله: لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ و إلى نتيجته بقوله: وَ ضَلَّ عَنْكُمْ .
و بالجملة فيبقى ما في الدنيا في الدنيا و تشرع من حين الموت حياة أخرى للإنسان فاقدة لجميع ما في الدنيا و لذلك سمّى الموت بالقيامة الصغرى فعن أمير المؤمنين (عليه السّلام) : «من مات فقد قامت قيامته» .
ثم إن النفس إذا فارقت الجسد فقدت صفة الاختيار و التقوى على كلا طرفي الفعل و الترك و حينئذ يرتفع موضوع التكليف قال سبحانه: يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيََاتِ رَبِّكَ لاََ يَنْفَعُ نَفْساً إِيمََانُهََا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمََانِهََا خَيْراً و عند ذلك يقع الإنسان في أحد الطريقين السعادة و الشقاوة و يحتم له إمّا السعادة أو الشقاء فيتلقى إمّا بشرى السعادة أو وعيد الشقاوة قال سبحانه: وَ لَوْ تَرىََ إِذِ اَلظََّالِمُونَ فِي غَمَرََاتِ اَلْمَوْتِ وَ اَلْمَلاََئِكَةُ بََاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ اَلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذََابَ اَلْهُونِ الآية، و قال سبحانه:
اَلَّذِينَ تَتَوَفََّاهُمُ اَلْمَلاََئِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلاََمٌ عَلَيْكُمْ اُدْخُلُوا اَلْجَنَّةَ بِمََا