الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٥٤٩ - باب في ذكر الجبن و وهل الجبان
لأنّهم ربّما تنادوا في العسكر: قد جاءوا، و لا بأس!فيسرج الفارس فرسه و هو مشكول ثم يركبه و يحثّه بالسّوط، و يضربه بالرّجل، فإذا رآه لا يعطيه ما يريد نزل فأحضر على رجليه، و من وهل الجبان أن يذهل عن موضع الشّكال في قوائم فرسه.
و ربما مضى باللّجام إلى عجب ذنبه[١]. و هو قوله: «يجعل الخيل كالسّفين» لأنّ لجام السفينة الذي يغمزها به و الشّكال[٢]هو في الذّنب.
و قال سهل بن هارون الكاتب في المنهزمة من أصحاب ابن نهيك بالنّهروان من خيل هرثمة بن أعين: [من الطويل]
يخيّل للمهزوم إفراط روعه # بأنّ ظهور الخيل أدنى من العطب
لأنّ الجبن يريه أنّ عدوه على رجليه أنجى له، كأنّه يرى أنّ النّجاة إنّما تكون على قدر الحمل للبدن.
و قال آخر[٣]حين اعتلّ عليه قومه في القتال بالورع: [من البسيط]
كأنّ ربّك لم يخلق لخشيته # سواهم من جميع النّاس إنسانا
و قال آخر[٤]: [من الطويل]
كأنّ بلاد اللّه و هي عريضة # على الخائف المطلوب كفّة حابل
و قال الشّاعر[٥]: [من الوافر]
يروّعه السّرار بكلّ أرض # مخافة أن يكون به السّرار
و أنشدني ابن رحيم القراطيسي الشاعر و رمى شاطرا بالجبن، فقال[٦]: [من م.
الوافر]
رأى في النّوم إنسانا # فوارى نفسه أشهر
[١]عجب الذنب: أصله.
[٢]أي ما هو للسفينة بمنزلة اللجام و الشكال.
[٣]البيت لقريط بن أنيف في الخزانة ٧/٤٤١، و شرح شواهد المغني ٢/٦٤٣، و شرح ديوان الحماسة للمرزوقي ٢٧، و شرحه للتبريزي ١/٥، و بلا نسبة في مجالس ثعلب ٤٠٦.
[٤]البيت لعبد اللّه بن الحجاج؛ أو لعبيد بن أيوب العنبري؛ أو للطرماح، و تقدم البيت مع تخريج واف في ٥/١٣٢.
[٥]البيت لبشار بن برد في ديوانه ١/٢٤٩، و لنصيب في ديوانه ٨٩، و تقدم البيت في ٥/١٣٣.
[٦]البيت بلا نسبة في عيون الأخبار ١/١٦٦.