الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٤٥٣ - ١٨٢٥- رد على المحتجّين لإنكار استراق السمع بالقرآن
باب الجدّ من أمر الجنّ
ليس هذا، حفظك اللّه تعالى، من الباب الذي كنّا فيه، و لكنّه كان مستراحا و جماما. و سنقول في باب من ذكر الجنّ، لتنتفع في دينك أشد الانتفاع. و هو جدّ كلّه.
و الكلام الأوّل و ما يتلوه من ذكر الحشرات، ليس فيه جدّ إلاّ و فيه خلط من هزل، و ليس فيه كلام صحيح إلا و إلى جنبه خرافة، لأن هذا الباب هكذا يقع.
و قد طعن قوم في استراق الشّياطين السمع بوجوه من الطّعن. فإذ قد جرى لها من الذّكر في باب الهزل ما قد جرى، فالواجب علينا أن نقول في باب الجدّ، و فيما يرد على أهل الدّين بجملة، و إن كان هذا الكتاب لم يقصد به إلى هذا الباب حيث ابتدئ. و إن نحن استقصيناه كنّا قد خرجنا من حدّ القول في الحيوان. و لكنا نقول بجملة كافية. و اللّه تعالى المعين على ذلك.
١٨٢٥-[رد على المحتجّين لإنكار استراق السمع بالقرآن]
قال قوم: قد علمنا أن الشياطين ألطف لطافة، و أقلّ آفة، و أحدّ أذهانا، و أقلّ فضولا، و أخفّ أبدانا، و أكثر معرفة و أدقّ فطنة منّا. و الدّليل على ذلك إجماعهم على أنّه ليس في الأرض بدعة بديعة، دقيقة و لا جليلة، و لا في الأرض معصية من طريق الهوى و الشّهوة، خفيّة كانت أو ظاهرة، إلاّ و الشّيطان هو الدّاعي لها، و المزيّن لها، و الذي يفتح باب كلّ بلاء، و ينصب كلّ حبالة و خدعة. و لم تكن لتعرف أصناف جميع الشرور و المعاصي حتى تعرف جميع أصناف الخير و الطّاعات.
و نحن قد نجد الرّجل إذا كان معه عقل، ثمّ علم أنّه إذا نقب حائطا قطعت يده، أو أسمع إنسانا كلاما قطع لسانه، أو يكون متى رام ذلك حيل دونه و دون ما رام منه-أنّه لا يتكلّف ذلك و لا يرومه، و لا يحاول أمرا قد أيقن أنّه لا يبلغه.
و أنتم تزعمون أنّ الشّياطين الذين هم على هذه الصّفة كلّما صعد منهم شيطان ليسترق السّمع قذف بشهاب نار، و ليس له خواطئ، فإمّا أن يكون يصيبه،