الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٤٥٢ - ١٨٢٤- ملح و نوادر
و دخل قاسم منزل الخوارزمي النخّاس، فرأى عنده جارية كأنها جانّ، و كأنها خوط بان، و كأنّها جدل عنان، و كأنه الياسمين؛ نعمة و بياضا؛ فقال لها: أشتريك يا جارية؟فقالت: «افتح كيسك تسرّ نفسك» و دخلت الجارية منزل النخّاس، فاشتراها و هي لا تعلم و مضى إلى المنزل و دفعها الخوارزميّ إلى غلامه، فلم تشعر الجارية إلا و هي معه في جوف بيت، فلما نظرت إليه و عرفت ما وقعت فيه قالت له: ويلك!إنك و اللّه لن تصل إليّ إلا بعد أن أموت!فإن كنت تجسر على نيك من قد أدرجوه في الأكفان فدونك!و اللّه إن زلت منذ رأيتك، و دخلت إلى الجواري، أصف لهنّ قبحك و بليّة امرأتك بك!فأقبل عليها يكلّمها بكلام المتكلمين، فلم تقبل منه، فقال: فلم قلت لي: «افتح كيسك تسرّ نفسك» ؟و قد فتحت كيسي فدعيني أسرّ نفسي!و هو يكلّمها و عين الجارية إلى الباب، و نفسها في توهّم الطّريق إلى منزل النخّاس. فلم يشعر قاسم حتّى وثبت وثبة إلى الباب كأنّها غزال، و لم يشعر الخوارزمي إلاّ و الجارية بين يديه مغشيّ عليها. فكرّ قاسم إليه راجعا و قال: ادفعها إليّ أشفي نفسي منها.
فطلبوا إليه فصفح عنها، و اشتراها في ذلك المجلس غلام أملح منها، فقامت إليه فقبّلت فاه، و قاسم ينظر، و القوم يتعجّبون ممّا تهيأ له و تهيّأ لها.
و أما عيسى بن مروان كاتب أبي مروان عبد الملك بن أبي حمزة فإنّه كان شديد التغزّل و التّصندل[١]، حتّى شرب لذلك النبيذ و تظرّف[٢]بتقطيع ثيابه[٣]و تغنّى أصواتا، و حفظ أحاديث من أحاديث العشّاق و من الأحاديث التي تشتهيها النساء و تفهم معانيها. و كان أقبح خلق اللّه تعالى أنفا، حتّى كان أقبح من الأخنس، و من الأفطس، و الأجدع، فإمّا أن يكون صادق ظريفة، و إما أن يكون تزوّجها فلما خلا معها في بيت و أرادها على ما يريد الرّجل من المرأة، امتنعت، فوهب لها، و منّاها، و أظهر تعشقها، و أراغها بكلّ حيلة. فلما لم تجب قال لها: خبّريني، ما الذي يمنعك؟قالت: قبح أنفك و هو يستقبل عيني وقت الحاجة، فلو كان أنفك في قفاك لكان أهون عليّ!قال لها: جعلت فداك؟الذي بأنفي ليس هو خلقة و إنّما هو ضربة ضربتها في سبيل اللّه تعالى. فقالت و استغربت ضحكا: أنا ما أبالي. في سبيل اللّه كانت أو في سبيل الشّيطان. إنّما بي قبحه. فخذ ثوابك على هذه الضّربة من اللّه أمّا أنا فلا.
[١]تصندل: تغزل مع النساء.
[٢]تظرف: تكلف الظرف.
[٣]تقطيع الثياب: تقصيرها.