الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٤١١ - ١٧٧٤- ذكر الجن في الشعر
ما زلت أطوي الجنّ أسمع حسّهم # حتّى دفعت إلى ربيبة هودج
فوضعت كفّي عند مقطع خصرها # فتنفّست بهرا و لمّا تنهج[١]
فتناولت رأسي لتعرف مسّه # بمخضّب الأطراف غير مشنّج[٢]
قالت بعيش أخي و حرمة والدي # لأنبّهنّ الحيّ إن لم تخرج
فخرجت خيفة قومها فتبسّمت # فعلمت أنّ يمينها لم تلجج[٣]
فلثمت فاها قابضا بقرونها # شرب النّزيف ببرد ماء الحشرج[٤]
و أنشدني آخر[٥]: [من الطويل]
ذهبتم فعذتم بالأمير و قلتم # تركنا أحاديثا و لحما موضّعا[٦]
فما زادني إلاّ سناء و رفعة # و لا زادكم في القوم إلاّ تخشّعا
فما نفرت جنّي و لا فلّ مبردي # و ما أصبحت طيري من الخوف وقّعا[٧]
و قال حسّان بن ثابت، في معنى قوله[٨]: «و للّه لأضربنّه حتّى أنزع من رأسه شيطانه» ، فقال[٩]: [من المتقارب]
و داوية سبسب سملق # من البيد تعزف جنّانها[١٠]
قطعت بعيرانة كالفنيـ # ق يمرح في الآل شيطانها[١١]
فجمع في هذا البيت تثبيت عزيف الجن، و أنّ المراح و النشاط و الخيلاء و الغرب[١٢]هو شيطانها.
[١]البهر: انقطاع النفس من الإعياء، تنهج: تواتر نفسها من شدة الحركة.
[٢]المشنج: المتقبض.
[٣]اللجج: التمادي و الإصرار.
[٤]القرون: الضفائر من الشعر. النزيف: الذي عطش حتى جف لسانه و يبست عروقه. الحشرج: الماء الجاري على الحجارة.
[٥]الأبيات لموسى بن جابر الحنفي في شرح ديوان الحماسة للتبريزي ١/١٤٠، و الثالث في اللسان (جنن) ، و التاج (وقع) .
[٦]الموضّع: المنضد بعضه على بعض، أي هم كاللحم المنضد يطمع فيه الناس.
[٧]أراد بالجن: القلب، و بالمبرد: اللسان.
[٨]هذا القول لعمر بن خطاب كما سيأتي ص ٤١٦.
[٩]ديوان حسان بن ثابت ١/٢٣٩ (دار صادر) ، و لم يرد البيتان في ديوان حسان (طبعة الصاوي) .
[١٠]الداوية: الفلاة الواسعة. السبسب: القفر البعيدة. السملق: المستوية الجرداء. عزيف الجن:
أصواتها.
[١١]العيرانة: النشيطة من الإبل. الفنيق: الفحل المكرم من الإبل. الآل: السراب.
[١٢]الغرب: الحدة و النشاط.