الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٤٠٠ - ١٧٦٧- شعر العرب في الجن
وَ لِسُلَيْمََانَ اَلرِّيحَ غُدُوُّهََا شَهْرٌ وَ رَوََاحُهََا شَهْرٌ وَ أَسَلْنََا لَهُ عَيْنَ اَلْقِطْرِ وَ مِنَ اَلْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ [١]ثم قال: يَعْمَلُونَ لَهُ مََا يَشََاءُ مِنْ مَحََارِيبَ وَ تَمََاثِيلَ وَ جِفََانٍ كَالْجَوََابِ وَ قُدُورٍ رََاسِيََاتٍ [٢]. و كيف لا أدعو بذلك و أنا أسمع اللّه تعالى يقول: قََالَ عِفْرِيتٌ مِنَ اَلْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقََامِكَ، وَ إِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ [٣]. و كيف لا أقول ذلك و أنا أسمع اللّه عزّ و جلّ يقول: رَبِّ اِغْفِرْ لِي وَ هَبْ لِي مُلْكاً لاََ يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ اَلْوَهََّابُ.
فَسَخَّرْنََا لَهُ اَلرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخََاءً حَيْثُ أَصََابَ. `وَ اَلشَّيََاطِينَ كُلَّ بَنََّاءٍ وَ غَوََّاصٍ.
وَ آخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي اَلْأَصْفََادِ [٤].
و الأعراب يتزيّدون في هذا الباب. و أشباه الأعراب يغلطون فيه. و بعض أصحاب التأويل يجوّز في هذا الباب ما لا يجوز فيه. و قد قلنا في ذلك في كتاب النّبوّات بما هو كاف إن شاء اللّه تعالى.
١٧٦٧-[شعر العرب في الجن]
و سيقع هذا الباب و الجواب فيه تامّا إذا صرنا إلى القول في الملائكة، و في فرق ما بين الجن و الإنس. و أما هذا الموضع فإنما مغزانا فيه الإخبار عن مذاهب الأعراب، و شعراء العرب. و لو لا العلم بالكلام، و بما يجوز مما لا يجوز، لكان في دون إطباقهم على هذه الأحاديث ما يغلط فيه العاقل.
قال عبيد بن أيّوب، و قد كان جوّالا في مجهول الأرض، لمّا اشتد خوفه و طال تردّده، و أبعد في الهرب[٥]: [من الطويل]
لقد خفت حتّى لو تمرّ حمامة # لقلت عدوّ أو طليعة معشر
فإن قيل أمن قلت هذي خديعة # و إن قيل خوف قلت حقّا فشمر
و خفت خليلي ذا الصّفاء و رابنى # و قيل فلان أو فلانة فاحذر
فلله درّ الغول أيّ رفيقة # لصاحب قفر خائف متقتّر[٦]
[١]١٢/سبأ: ٣٤.
[٢]١٣/سبأ: ٣٤.
[٣]٣٩/النمل: ٢٧.
[٤]٣٥-٣٨/ص: ٣٨.
[٥]أشعار اللصوص ٢١٨، ٢٢١، و الأبيات (١-٢-٣-٦) في الحماسة البصرية ١/١١١، و تقدمت الأبيات (١-٢-٣) في ٥/١٣٢. و البيتان (٤-٥) في ٤/٥٠٠.
[٦]المتقتر: المتنحي عن الناس.