إلهيات المحاكمات - الرازي، قطب الدين - الصفحة ٣٤٩
قوله «ثم اعتبار الواجب» هذا بيان للترتيب بين القوى مؤكد لما قبله فان الواجب فى الحكمة المتعالية أن تقدم القوة التي تفيض صور المحسوسات. و هى الحس المشترك و الخيال، و تؤخر القوة التي تفيض معانيها إلى الوسط و هى الوهم، أو الى آخر الدماغ و هى الحافظة، و توسط بينهما القوة المتصرفة فيهما بالتركيب بين الصور تارة، و المعانى تارة، و الصور و المعانى اخرى و قد نسب صور المحسوسات الى الجرم. لان الاجسام إما علوية، و يسمى بالاجرام و اما سفلية و يخص باسم الاجسام. فلما كانت صور المحسوسات مرتسمة فى أعلى البدن ناسب الجرم دون الجسم، و كذلك نسب معانى المحسوسات الى الروح لان الروح يتكون من بخارات الاخلاط و رقايقها. و لما كان المعانى بالنسبة الى المحسوسات لطائفها و صفاياها ناسب الروح الى النفس اذ لا نسبة بين الجسميات و المجردات. قال الامام: هذا وجه ثان من الاستدلال على اختصاص القوى بالمواضع المخصوصة المذكورة. و ذلك لان الحس المشترك و الخيال لما ناسبا الحس الظاهر لتعلقهما بظواهر المحسوسات و الحس الظاهر فى مقدم الدماغ قد ما و أخر القوى الوهمية و الحافظة لمعدهما عن مناسبة الحس الظاهر و وسط المتصرفة فيها.-