سه رسائل فلسفى - الملا صدرا - الصفحة ٣٢٩
و آخر الأواخر.
قلت: تأخر الغاية عن الفعل و ترتبها عليه انما يكون اذا كانت من الكائنات و اما اذا كانت اعلى من الكون فلا، لأن المعلول منقسم الى مبدع و محدث. و الغاية في القسم الأول يقترن مع المعلول ماهية و وجودا باعتبارين. و في القسم الثاني، يتأخر عنه وجودا و ان تقدمت عليه ماهية هذا ما ذكروه في الكتب.
و أنا أقول (يا اخا الحقيقة): إنّ العلة الغائية في الكائنات، يعني القريبة منها لا الغاية القصوى، فانها في الكل هي ذات الباري جل مجده، إذا تأملت فيها، فهي في الحقيقة عين العلة الفاعلية دائما، فان الجائع اذا اكل ليشبع، فحاول أن يستكمل له وجود الشبع، فيصير من حد التخيل الى حد العين، فهو من حيث انه شبعان تخيلا، هو الذي يأكل ليصير شبعان وجودا، فالشبعان تخيلا هو العلة الفاعلية و الشبعان وجودا هو العلة الغائية. فالأكل صادر من الشبع و مصدر للشبع و لكن باعتبارين مختلفين:
فهو باعتبار الوجود العلمي فاعل، و باعتبار الوجود العيني غاية.
و اما في الواجب تعالى، فلا مغايرة بينهما اصلا فانه عز و جل، لما كان ماهيته انيته، كان الفاعل و الغاية فيه امرا واحدا بالذات و بالاعتبار جميعا.
ثم اقول: ان الواجب تعالى اوّل الأوائل من جهة وجود ذاته و كونه علة فاعلية لجميع ما سواه و علة غائية و غرضا لها و هو بعينه آخر الأواخر من جهه كونه غاية و فائدة، يقصده الاشياء و يتشوق إليه طبعا و إرادة، لأنه الخير المحض و المعشوق الحقيقي فمصحح الاعتبار الأول نفس ذاته، و مصحح الاعتبار الثاني صدور الأشياء عنه على وجه، يلزمها عشق يقتضي حفظه كمالاتها الأولية و شوق الى تحصيل ما يفقد عنها من الكمالات الثانوية ليتشبه بمبدئها بقدر الامكان، كما اشير في قوله تعالى: «قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى» [١] و ستعلم الفرق بين الغاية الذاتية و الغاية العرضية.
فان قلت: ان الحكماء قد استنكفوا عن القول بكون افعال اللّه تعالى معللة بالغرض
[١]طه
[٢٠] آيه ٥٠.