سه رسائل فلسفى - الملا صدرا - الصفحة ٢٢٥
فاعلم ان في هذا الكلام خلطا يوجب المغالطة و قد وقع فيها كثير من الناس؛ فان لفظ الكلي يقع فيه الاشتراك الاصطلاحي بين معان: احدها: صفة عقليّة من جملة موضوعات علم الميزان، و الثاني: معروض هذه الصفة بالفعل، و الثالث: الماهيّة من حيث هي هي، التي من شأنها ان يتصف بالمعنى الأول عند تجرّدها عن القيود الحسيّة، و كلامنا في هذا المعنى و الموجود بعين الشخصيات ليس الّا المعنى الثاني و تحقيق هذا البحث مرجوع الى مباحث الماهيّة، كيف و لو كانت الماهيّة المتصفة بصفة الكليّة و العموم، موجودة بنحو وجود الحسيّات الماديّة، متحدة بوجود شخصياتها في الخارج، فيلزم ان يكون موجود واحد بعينه في هذا العالم، متشخصا بتشخصاتها متعددة، معروضا لعوارض متكثّرة متقابلة باقيا مع زوال كلّ واحد منها، موجودا في امكنة متعددة؟! و هو ظاهر البطلان عند المحقّقين و ان التبس بطلانه على بعض المتشبّهين باهل العلم.
و اما الموجود العقلي فحيث يكون له وجود ارفع من الوجود الحسّي المشار إليه، و وحدته اوسع من هذه الوحدات الوضعيّة و المقداريّة، فوحدته العقلية يجامع الكثرات الحسيّة، اذ لها الحيطة و السعة و لهذه الوحدات الضيق و الحصر و القصور. فهي مع فردانيّته يجامع هذه الوحدات مع تعددها، فلا تناقض بينهما و التناقض انما يتصور بين وحدة و كثرة تكون حاصلة من تكرّر تلك الوحدة [١].
ثم الوحدة المعتبرة في الموضوع من جملة وحدات التناقض، انما هي الوحدة الوضعيّة و الحسيّة، دون العقليّة و الذهنية و الّا لأوجب تعقلنا جسما واحدا متصفا بامرين متقابلين، التقابل المستحيل، مع انه ليس كذلك (هذا خلف).
و هذا التخصيص الذي ذكرناه في وحدة موضوع التقابل و ان كان امرا غير مشهور و لا منصوصا عليه في كلام اكابر الحكماء و المنطقيين، لكنه يلوح من إشاراتهم
[١]لا الواحد الذي لا ثاني له من سنخه و يجامع مع قيد الوحدة في الكثرات و الكثرة، عبارة عن تجليه بصور المتكثرات.