سه رسائل فلسفى - الملا صدرا - الصفحة ٣٠٧
«وَ لَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى فَلَوْ لا تَذَكَّرُونَ» [١] و قيل: من فقد حسا فقد فقد علما و القرآن و الاخبار مشحونة بذكر الأمثلة من هذا الجنس، الذي مر ذكره في مثال التنين المشار إليه في الحديث النبوي في عذاب القبر للكافر؛ فهذا التنين يتمثل للفاسق الخارج عن الدين في عالم البرزخ المتوسط بين هذا العالم و الآخرة المحضة حتى يشاهده و ينكشف عليه صورته و كسوته، لكن لا يمكن لغيره ممن هو في هذا العالم بعد لكثافة الحجاب و غلظة الغطاء مشاهدتها و مشاهدة ساير الصور الأخروية الملذة أو الموذية و ان كانت موجودة الآن.
فان الجنة التي يتصل إليه بعد الموت هي موجودة لك الآن، ان كنت من اهلها و تتقلب فيها و تتناول من ثمارها و تلاقي حورها و قصورها و كذلك جهنم موجودة لمن هو من اهله محيطة به تحرق جلده و تذيب شحمه و هو يحترق من نيرانها و يتعذب من حيّاتها و عقاربها الا ان لذات الآخرة و آلامها الآن غير محسوسة لخدر الطبيعة و سكر العقل و بهذا الأصل يندفع انكار المنكرين لعذاب القبر، كما سيجيء شرح ذلك و امثاله في تفسيرات الآيات التي هي في تشريح احوال الآخرة إن شاء اللّه تعالى و الغرض هاهنا ان القرآن مشحون بذكر الأمثلة للأمور التي حقائقها موجودة في علم اللّه تعالى و امثالها موجودة في هذا العالم مثل قوله تعالى «يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ» [٢] و قوله تعالى «عَلَّمَ بِالْقَلَمِ» [٣] و قوله «أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ» [٤] و مثل قوله صلّى اللّه عليه و آله:
«قلب المؤمن بين اصبعين من اصابع الرحمن» أ و لا ترى ان روح الإصبع هي القدرة و القوة على سرعة التقليب و حيث يكون قلب المؤمن بين لمة الملك و لمة الشيطان، كما ورد في الحديث هذا يغويه و ذاك يهديه و اللّه تعالى يقلب قلوب عباده، كما تقلب انت الأشياء باصبعك.
[١]الواقعة [٥٦] آيه ٦٢.
[٢]الفتح [٤٨] آيه ١٠.
[٣]العلق [٩٦] آيه ٤.
[٤]المجادلة [٥٨] آيه ٢٢.