سه رسائل فلسفى - الملا صدرا - الصفحة ٢٢٠
فكيف يعرف ما هو مثال له و مرقاة لمعرفته، كما في الحديث المشهور «من عرف نفسه فقد عرف ربّه».
اما كونها مثالا له بحسب الصفات، فلكونها ذات صفة العلم و القدرة و الإرادة و الحياة و السّمع و البصر و الكلام. و أمّا كونها مثالا له تعالى في الأفعال، فلأنّ لها عالم أو مملكة شبيهة بمملكة باريها فى الملك و الملكوت و الخلق و الأمر، تفعل في عالمها الخاصّ ما تشاء و تختار ما تريد. لكنّها لأجل أنها حين تعلّقها بهذا البدن العنصري، ضعيفة القوام و الفعليّة ضعيفة التأثير و التّكوين.
فكلّ ما يصدر عنها و يترتّب عليها من الأفعال و الآثار المختصّة، التي توجد في عالمها بلا مشاركة شيء من المعاونات الخارجيّة و مباشرة حركات بدنيّة، يكون لماهيّته و معناه نحو ضعيف من الوجود و الكون، لا يترتب عليه الخواصّ و الآثار على نحو وجود الأظلال و العكوس المرآتيّة.
فان الثابت في المرآة و إن كان مشاركا للشخص الخارجى في الماهيّة و صفاتها الإمكانيّة، الّا انها مفارقان في الوجود. فكذلك الصّور المتصوّرة الثابتة في صقع النّفس الإنسانيّة و عالمها الخاص مشاركة للأمر الخارجي، الذي له هذا الصورة [و هذه صورة له و متحدة معه] في الماهيّة و المعنى و مخالفة له في الاتّصاف بالوجود المخصوص به و عدمه.
هذا اذا اعتبر كونها مطابقة له و مرآة لملاحظته من غير استيناف نظر إليها و اما اذا لوحظت مستقلّة، فلها نحو وجود كوجود العوارض النفسانيّة كما ستقف عليه، ان شاء اللّه تعالى.
فهذا الوجود للأشياء و الماهيات، الذي لا يترتب بحسبه عليها آثارها المختصة عند ما يتصورها النفس و تكون حاضرة في عالم النفس و ان قطع النظر عن الخارج، تسمى وجودا ذهنيا و ظلّيّا و مثاليا و ذلك الآخر المترتب عليها بحسبه الآثار، تسمى وجودا خارجيّا و عينيّا و اصيلا. فاتقن هذا كي ينفعك في مباحث الوجود الذهني و الإشكالات الواردة عليه.