سه رسائل فلسفى - الملا صدرا - الصفحة ٢٠٥
قيام الوجود، فرع الماهيّة المعرّاة عن صفة الوجود و العدم؛ لأن الماهيّة المعرّاة عنهما لا تكون موجودة لا في نفس الأمر و لا في مرتبة من مراتبها.
فالحقّ في هذا المقام ان يقال: ان العقل اذا حلّل الماهيّة الموجودة الى شيئين، حكم بتقدّم احدهما اما بحسب الواقع، فالمتقدّم هو الوجود لانه الأصل في ان يكون حقيقة و هو الصادر عن الجاعل بالذات و الماهيّة متحدة معه محمولة عليه، لا كحمل العرضيّات اللّاحقة، بل حملها عليه و اتّحادها معه بحسب مرتبة هويّته و ذاته. و امّا بحسب الذّهن، فالمتقدّم هو الماهيّة، لأنها الأصل في الأحكام العقليّة.
و التقدّم هاهنا ليس بحسب الوجود، بل بحسب نحو آخر غير الخمسة المشهورة و هو: التقدّم بحسب الماهيّة، كتقدّم معنى الجنس على النوع مع قطع النّظر عن ملاحظة وجودهما.
و بالجملة مغايرة الماهيّة للوجود و اتّصافها به، امر عقلى انما يكون في اعتبار الذّهن.
و اعتبار الذهن، مغايرتها للوجود و تجريدها عنه و ان كان أيضا نحوا من الوجود، كما انّ الكون في الخارج نحو من الوجود الّا ان للعقل ان يلاحظ هذا النّحو و يصف الماهيّة بالوجود.
فهذه الملاحظة التي من شأن العقل ان يجرّد الماهيّة فيها عن جميع الوجودات، أي لا يلاحظ معها شيء من الوجودات، حتى هذا النحو التجرّدي الذي هو أيضا نحو من الوجود في الواقع، لا بتعمّل العقل لها اعتباران.
احدهما: اعتبار كونها تخلية الماهيّة في ذاتها عن جميع العوارض و الوجودات.
و ثانيهما: اعتبار كونها نحوا من أنحاء وجود الماهيّة.
فالماهيّة باحد الاعتبارين موصوفة بالوجود المطلق و بالآخر ملحوظة به غير موصوفة به، فالتعرية باعتبار و الخلط باعتبار.
و ليس حيثيّة احد الاعتبارين غير حيثيّة الآخر، حتى يعود الإشكال جذعا من ان الاعتبار الذي بها يتصف الماهية بالوجود، لا بدّ فيه أيضا من مغايرة بين الموصوف