سه رسائل فلسفى - الملا صدرا - الصفحة ٢٨٩
بما اعتادوه من ملوكهم [و عظمائهم فمن ذلك أنه جعل الكعبة بيتا يطوف الناس به كما يطوفون بيوت ملوكهم] و امر الناس بزيارته، كما يزورون بيوت ملوكهم و ذكر في الحجر الأسود انه يمين اللّه تعالى في ارضه، ثم جعله موضعا للتقبيل كما يقبل الناس ايدي ملوكهم و كذا ما ذكره في محاسبة العباد يوم القيامة من حضور الملائكة و النبيين و الشهداء و وضع الموازين.
فعلى هذا القياس اثبت لنفسه عرشا فقال: «الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى» [١] ثم وصف عرشه بانه على الماء، ثم قال: «وَ تَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ» [٢] و قال تعالى: «وَ يَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ» [٣] ثم اثبت لنفسه كرسيا. و قال تعالى:
«وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ» [٤].
اذا عرفت هذا فنقول: كلّ ما جاء من الألفاظ الموهمة للتشبيه من العرش و الكرسى فقد ورد مثلها، بل اقوى منها في الكعبة و الطواف و تقبيل الحجر و لما توقفنا هاهنا على ان المقصود تعريف عظمة اللّه تعالى و جلاله و كبريائه مع القطع بأنه منزه عن ان يكون في الكعبة، فكذا الكلام في العرش و الكرسى» انتهى كلامه.
و قد استحسنه كثير من العلماء المفسرين و تلقاه بالقبول جم غفير من الفضلاء المتفكرين، كالزمخشري و الرازي و النيسابوري و البيضاوي.
و ظنى ان ما ذكره القفال و استحسنه هؤلاء المعدودون من أهل الفضل و الكمال، غير مرضى عند اللّه و عند رسوله؛ لأن حمل هذه الألفاظ الواردة في القرآن و الحديث على مجرد التخييل و التمثيل من غير حقيقة، قرع باب السفسطة و التعطيل و سد باب الاهتداء و التحصيل، اذ بتطرق تجويز هذه التخيلات و التمثيلات، ينسد باب الاعتقاد بالمعاد الجسماني و احوال القبر و الصراط و الميزان و الجنة و النار و ساير المواعيد.
[١]طه [٢٠] آيه ٥.
[٢]الزمر [٣٩] آيه ٧٥.
[٣]الحاقة [٦٩] آيه ١٧.
[٤]البقرة [٢] آيه ٢٥٥.