سه رسائل فلسفى - الملا صدرا - الصفحة ٣٢٤
فحينئذ لا بأس بنا لو بسطنا الكلام في تحقيق ذلك المقام على ما وافق مذهب الحكماء الكرام و المحققين من افاضل اهل الاسلام، متضمنا لا يراد شكوك وقعت منا في سالف الايام مع اجوبة ألهمني بها واهب العلم و مفيض العقل و الالهام فنقول:
الإرادة فينا شوق متأكد [١] يحصل عقيب داع هو تصور الشيء الملائم تصورا ظنيا او تخيليا او علميا، موجب لانبعاث القوة المقتضية لحركة العضلات الآلية و الاعضاء الادوية، لأجل تحصيل ذلك الشيء و في الواجب تعالى لبراءته عن الكثرة و النقص و لكونه تاما و فوق التمام، تكون عين الداعي و هو نفس علمه بنظام الخير في نفسه المقتضي له. و ذلك العلم عند رؤساء المشائين، صورة زائدة على ذاته و عند شيعة الاقدمين كشيخ الاشراق و اتباعه عين ذاته تعالى.
فارادته تعالى للأشياء اي مريديته لها عند هذه الطائفة، هي كون ذاته تعالى بحيث يفيض عنه صور الأشياء معقولة له، مشاهدة عنده، مرضيا لديه على نظام هو اتم النظامات الممكنة خيرا و كمالا. لا على ان تتبعه صور الأشياء، اتباع الضوء للمضيء و الإسخان للنار تعالى عزه عن ذلك علوا كبيرا.
بل على انه عالم بكيفية نظام الخير الواقع في الوجود، مشاهدا اياها و فيضان الخير و الفضل عنه غير مناف لذاته، بل انه مناسب لجنابه و مرضيّ عند ذاته و ليس انه يوجد الأشياء، ثم يرضى بها بل نفس وجود نظام الخير نفس رضاه بها.
فإذا تحقق و تبين ان ارادته للأشياء عين علمه بنظام الخير الأكمل الأصلح، الذي هو تابع لعلمه بذاته و علمه بذاته هو بعينه داع له الى افادة الخير و الجود، لما علمت من القول بان محبته تعالى لذاته تستتبع محبته للأشياء، فكما ان لعلمه مراتب، فكذلك لإرادته و نفس وجود الأشياء الخارجية، كما انها
[١]و اعلم ان في كون الإرادة فينا شوقا مؤكدا عقيب داع دركنا
الملائما شكوكا اوردت في موضعها، لانا قد نريد امرا و نفعله و ليس فينا الشوق
المؤكد، بل قد كان فينا اتيان الفعل مقارنا للكراهة و لكن نفعله لمصلحة كلية، كحفظ
النفس و حفظ العرض و غيرهما المريض يشرب الدواء و يكره شربه و قد يكون في فعل واحد
جهة اكراه و انقباض وجهة رضاء و رغبة.