سه رسائل فلسفى - الملا صدرا - الصفحة ٣٢٧
كانت هذه من التوابع اللازمة لها، بل الغاية في تحريكاتها لموادها هي كونها على افضل ما يمكن لها، لتحصيل التشبه بما فوقها كما في تحريكات نفوس الافلاك اجرامها بلا تفاوت» انتهى.
و من العرشيات الالهامية التي لنا على اثبات هذا المطلب هو: ان النفس الانسانية في مبدأ فطرتها خالية عن العلوم الانتقاشية كلها البتة. و لا خفاء في ان استعمال الآلات متوقف على العلم بها و هكذا يعود الكلام فاما ان يدورا و يتسلسل و كلاهما محالان مطلقا، لحدوث النفس فاول علوم النفس: هو علمها بذاتها، ثم علمها بقوى البدن و الآلات و التي هي الحواس الظاهرة و الباطنة.
و هذان العلمان إنما هما من العلوم الحضورية الاشراقية، ثم بعد هذين العلمين ينبعث عن ذات النفس لذاتها، استعمال الآلات بدون تصور هذا الفعل الذي هو استعمال الآلات و التصديق بفائدته سابقا.
فان هذا الاستعمال ليس فعلا اختياريا بمعنى كونه حاصلا بالقصد و الإرادة و ان كانت النفس عالمة به مريدة له، لأن ذلك الفعل انما تنبعث عن ذاتها، لا عن رويتها فذاتها بذاتها موجبة لاستعمال الآلات، لا بقصد زائد عليها قائم بها و لا عن طبيعة عديمة الشعور، كاحراق النار و تبريد الماء، بل لأنه لما كانت ذاتها في ان وجودها عالمة بذاتها و عاشقة لها و لفعلها، عشقا ناشيا عن الذات لذاتها، اضطر الى استعمال الآلات التي لا قدرة لها الا عليه.
و بهذا التحقيق اندفع ما يتوهم من ان استعمال الحواس، فعل اختياري و حدود كل فعل اختياري مسبوق بتصور ذلك الفعل و التصديق بفائدته، فوجب ان يحصل قبل استعمال الحواس صور تصورية و تصديقية.
و ذلك لأنا نقول: ان نسبتي صدور استعمال الآلات و عدمه، ليستا متساويتين بالنسبة الى النفس حتى يلزم احتياجها الى المرجح، من تصور الفعل و التصديق بفائدته، قبل الاستعمال. بل المرجح المقتضى ذات النفس فينبعث ذلك الاستعمال عن عشق ذاتها و عن الشوق الذاتي لها، الى كمالها الأقصى و الى التشبه بما فوقها، فلا يكون