سه رسائل فلسفى - الملا صدرا - الصفحة ٢٩٣
اذا انتقل عن مكان اشتغل به مكان و خلا منه مكان، فلا يدري في المكان الذي صار إليه ما حدث في المكان الذي كان فيه.
فاما اللّه تعالى عظيم الشأن الملك الديان، فانه لا يخلو منه مكان و لا يشتغل به مكان و لا يكون الى مكان اقرب منه عن مكان و الذي بعثه بالآيات المحكمة و البراهين الواضحة و ايده بنصره و اختاره لتبليغ رسالته، صدقنا قوله بان ربه بعثه و كلمه؛ فقام عنه ابن ابي العوجاء فقال لأصحابه: من القانى في بحر هذا سألتكم ان تلتمسوا لي جمرة فالقيتموني على جمرة.
(٣) في التنبيه على فساد ما ذهب إليه اهل التعطيل من سوء التأويل.
و مما يدل على ان اسرار التأويل و التنزيل و الإنزال اجل مقالا و اعظم منالا من ان يناله بقوة التفكر اهل الاعتزال، كالزمخشري و القفال و غيرهما من آحاد المتكلمين و المتفلسفين ما رواه ابو بصير عن ابى عبد اللّه عليه السّلام انه قال: «نحن الراسخون في العلم و نحن نعلم تأويله».
و في رواية عنه عليه السّلام قال: «الراسخون في العلم امير المؤمنين و الأئمة المعصومون من بعده عليهم السّلام.»
و عن ابي بصير قال سمعت أبا جعفر محمد عليه السّلام في هذه الآية: «بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ» [١] فأومي بيده الى صدره، اذ قد علم ان فهم رموز القرآن و اغواره و اسراره مما لا يمكن حصوله بدقّة الفكر و كثرة البحث و النظر من غير طريق التصفية و المراجعة الى اهل بيت الولاية و اقتباس انوار الحكمة من مشكاة علوم النبوة و استيضاء اضواء المعرفة من جهة احكام التابعية المطلقة و تصفية الباطن، بالعبودية التامة و اقتفاء آثار الأئمة الماضين الواقفين على اسرار الشريعة و تتبع منار الهداة المتقين المطلعين على انوار الكتاب و السنة، لينكشف على السالك شيء من انوار علوم الملائكة و النبيين و يتخلص من ظلمات اقاويل المبتدعين. و ستسمع انموذجا مما وصل إلينا
[١]العنكبوت [٢٩] آيه ٤٩.