سه رسائل فلسفى - الملا صدرا - الصفحة ٢٤٢
و مما يعوّل على الاستدلال به عليه في «حكمة الإشراق» هو: ان الإبصار ليس بالانطباع في العين، كما هو رأي المشائين، و لا بخروج الشعاع منها الى المرائي كما هو مذهب الرياضيين بوجوه ذكرها*. فيكون بمقابلة الصورة المستنيرة للعين السليمة لا غير، اذ بها يحصل للنفس علم اشراقي حضوري بالمرائي فرآه.
قال: «فكذلك صورة المرآة ليست في البصر، كما علمت و ليست هي صورتك او صورة ما رأيتها بعينها كما ظنّ». لأنه بطل كون الإبصار بالشعاع فضلا عن كونه بانعكاسه و نسبة الجليديّة الى المبصرات كنسبة المرآة الى الصورة التي يظهر منها. فكما ان صورة المرآة ليست فيها كذلك الصورة التي تدرك النفس بواسطتها ليست في الجليديّة، بل تحدث عند المقابلة و ارتفاع الموانع من النفس اشراق حضوري على ذلك الشيء المستنير؛ فان كان له هويّة في الخارج فيراه و ان كان شبحا محضا، فيحتاج الى مظهر آخر كالمرآة.
فاذا وقعت الجليديّة في مقابلة المرآة التي ظهر فيها صور الأشياء المقابلة، وقع من النفس أيضا اشراق حضوري، فرأت تلك الأشياء بواسطة مرآة الجليدية و المرآة الخارجة، لكن عند الشرائط و ارتفاع الموانع. و بمثل ما امتنع انطباع الصورة في العين، يمتنع انطباع ما في موضع من الدّماغ. فاذن الصور الخياليّة لا يكون موجودة في الأذهان، لامتناع انطباع الكبير في الصغير و لا في الأعيان و الّا لرآها كل سليم الحس. و ليست عدما محضا و الّا لما كانت متصورة للنفس و لا متميزة و لا محكوما عليها بالأحكام المختلفة الثبوتيّة. و اذ هي موجودة و ليست في الأعيان الحسيّة و لا في عالم العقول، لكونها صورا جسمانيّة مقداريّة و لا عقليّة [١].
فبالضرورة يكون في صقع آخر و هو عالم المثال المسمّى بالخيال المنفصل لكونه غير مادّي، تشبيها بالخيال المتصل. و هو الذي ذهب الى وجوده الحكماء الأقدمون ك «افلاطون» و «سقراط» و «فيثاغورس» و «انباذقلس» و غيرهم من المتألّهين
[١]في نسخة د، ط: صورا جسمانيّة لا عقليّة.