سه رسائل فلسفى - الملا صدرا - الصفحة ٣٠٤
و اما انحصار عدده في تسعة و تسعين، فانما يقع الاطلاع منهم له بنور اتباع النبوة، فهذه التنين متمكن من صميم فؤاد الكافر المنكر للدين لا لمجرد جهله باللّه تعالى و كفره، بل لما يدعو إليه الكفر و الجهل كما قال تعالى: «ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ» [١].
فكل ما يدعو إليه الجهل باللّه و ملكوته من محبة الأمور الباطلة الزائلة، فهو بالحقيقة تنين يلذعه و يلسعه في اولاه و أخراه، سواء كان مع صورة مخصوصة، كما في عالم القبر بعد الموت أو لم يكن، كما في عالم الدنيا قبل الموت و عند عدم تمثل هذا الامر اللذاع اللساع على صورة تناسبه لا يعوذه شيء من حقيقة التنين و معنى لفظه بالحقيقة اذ اللفظ موضوع للمعنى المطلق الشامل للعقلي و الحسي جميعا و خصوصيات الصور بخصوصيات النشأة خارجة عما وضع له اللفظ و إن كان اعتبار الناس بمشاهدة بعض الخصوصيات يحملهم على الاقتصار عليه و الاحتجاب عن غيره و الحكم بانه مجاز، كما في لفظ الميزان.
تمثيل و تبصرة
قد مر ان الاصل في منهج الراسخين في العلم، هو ابقاء ظواهر الالفاظ على معانيها الاصلية من غير تصرف فيها، لكن مع تحقيق تلك المعاني و تلخيصها عن الامور الزائدة و عدم الاحتجاب عن روح المعنى، بسبب غلبة احكام بعض خصوصياتها على النفس و اعتبارها بحصر كل معنى على هيئة مخصوصة له بتمثل ذلك المعنى بها للنفس في هذه النشأة، فلفظ الميزان مثلا موضوع لما يوزن و يقاس به الشيء مطلقا؛ فهو امر مطلق يشمل المحسوس منه و المتخيل و المعقول، فذلك المعنى الشامل روح معناه و ملاكه من غير ان يشترط فيه تخصيصه بهيئة مخصوصة، فكل ما يقاس به الشيء بأي خصوصية كانت- حسية أو عقلية- يتحقق الميزان و يصدق عليه معنى لفظه، فالمسطرة
[١]النحل [١٦] آيه ١٠٧.