سه رسائل فلسفى - الملا صدرا - الصفحة ٣٠٢
في الآخرة الا بقدر قيمتك في الدنيا و لا مقدار لك في عالم العقبى الاعلى، مبلغ علمك بحقايق المعنى و إذ لا علم فلا مرتبة هناك، لأن قوام عالم الآخرة و الدار الحيوانية بالعلوم الباقية و النيات الحقة كالعلم اليقيني باللّه تعالى و ملائكته و كتبه و رسله و اليوم الآخر.
فغير العارف بمنزلة جسد لا روح معه و لفظ لا معنى له و مع ذلك فالنجاة فوق الهلاك للنفوس السليمة لبقائها على فطرتها الاصلية و عدم خروجها عن سلامتها الذاتية بالامراض النفسانية، فيكون قابلة للفيض الرباني و الرحمة الرحمانية بشرط ان يكون لها تشوق الى الكمال و استعداد التجاوز عن درجة العوام نحو العلوم و الاحوال و الا فيكون تقصيرك ايها المحجوب عما اهملت و اغفالك عما تستدعيه بقوة استعدادك و سكوتك عما تطلبه بلسان قابليتك، موجبا لسخط الباري عليك في معادك و آخرتك و باعثا لعذابك بانقطاعك عن مبناك و مبتغاك.
و على أي الحالين فليس لك نصيب من القرآن الا في قشوره، كما ليس للبهيمة نصيب من اللب الا في قشره الذي هو التبن. و القرآن غذاء الخلق كلهم على اختلاف اقسامهم و مقاماتهم و لكن اغتذاؤهم على قدر منازلهم و درجاتهم و في كل غذاء مخ و نخالة و تبن، و حرص الحمار على اغتذائه التبن اشد منه على الخبز المتخذ من اللب و أنت و نظراؤك شديد الحرص على أن لا تفارق درجة البهائم و لا تترقى الى درجة معنى الإنسانية و الملكية، فدونكم و الانسراح في رياض القرآن، ففيها متاع لكم و لأنعامكم.
و ان كنت من قبيل الرجل الثاني فبسبب رسوخ قدمك في مقام اليقين و ثباتك على جادة الحق و الدين و انزعاجك عن درجة الناقصين و تجاوزك عن مواطن الظن و التخمين، يسر اللّه تعالى لك ان تعرف عرفانا ذوقيا و علما كشفيا ان التنين الذي اشار إليه النبي صلّى اللّه عليه و آله في الحديث المذكور ليس مجرد تخييل بلا تحصيل و تخويف بلا أصل و تهويل من غير حقيقة، كما يفعله المشعبدون نعوذ باللّه ان نكون من الجاهلين، بل انما هو تفصيل و شرح لقوله عليه السّلام: «انما هي اعمالكم ترد إليكم» و قوله تعالى: «يَوْمَ تَجِدُ