سه رسائل فلسفى - الملا صدرا - الصفحة ٣٠٠
جاءت من عند اللّه و رسوله، فان كان الانسان ممن خصه اللّه بكشف الحقائق و المعاني و الاسرار و اشارات التنزيل و رموز التأويل، فاذا كوشف بمعنى خاص او اشارة و تحقيق، قرر ذلك المعنى من غير ان يبطل ظاهره فحواه و تناقض باطنه مبناه و يخالف صورته معناه، لأن ذلك من شرائط المكاشفة و هذه من علامات الزيغ و الاحتجاب؛ فاللّه سبحانه ما خلق شيئا في عالم الصورة و الدنيا الا و له نظير في عالم الآخرة (و المعنى) و له أيضا نظير في عالم الأسماء و كذا في عالم الحق و غيب الغيوب و هو مبدع الأشياء.
فما من شيء في الارض و لا في السماء الا و هو شأن من شئونه و وجه من وجوهه و العوالم متطابقة متحاذية المراتب، فالأدنى مثال الأعلى و الأعلى حقيقة الأدنى، هكذا الى حقيقة الحقائق و وجود الموجودات؛ فجميع ما في هذا العالم امثلة و قوالب لما في عالم الروح، كبدن الانسان بالقياس الى روحه و معلوم عند اولى البصائر ان هوية البدن بالروح و كذا جميع ما في عالم الارواح هي مثل و اشباح لما في عالم الاعيان العقلية الثابتة، التي هي أيضا مظاهر اسماء اللّه و اسمه عينه، كما حقق في مقامه. ثم ما خلق في العالمين شيء الا و له مثال مطابق و انموذج صحيح في الانسان، فلنكشف أولا عن بيان حقيقة العرش و الكرسي و الاستواء عليه و التمكن فيها بمثال واحد في هذا العالم الإنساني ليقاس به غيره من معاني الألفاظ الموهمة للتشبيه.
فنقول: مثال العرش في ظاهر عالم الانسانية قلبه المستدير الشكل و في باطنه روحه الحيواني، بل النفساني و في باطن باطنه النفس الناطقة و هو قلبه المعنوي محل استواء الروح الإضافي الذي هو جوهر علوي نوراني مستقر عليه بخلافة اللّه تعالى في هذا العالم الصغير، كما ان مثال الكرسي في ظاهر هذا العالم البشري صدره و في الباطن روحه الطبيعي، الذي وسع سماوات القوي السبع الطبيعية و ارض قابلية الجسد و في باطن باطنه، نفسه الحيوانية التي هي موضع قدمي الناطقة اليمنى و اليسرى، أي المدركة و المحركة كما ان الكرسي موضع القدمين، قدم صدق عند ربك و قدم الجبار