سه رسائل فلسفى - الملا صدرا - الصفحة ٢٩٨
اصحاب ابى الحسن الأشعرى و زاد المعتزلة عليهم أولو من صفات اللّه تعالى ما لم يأوله الأشاعرة، فأولوا السمع الى مطلق العلم بالمسموعات و البصر الى العلم بالمبصرات و كذا أولو حكاية المعراج و زعموا انه لم يكن بجسد و اوّل بعضهم عذاب القبر و الصراط و جملة من احكام الآخرة و لكن اقروا بحشر الأجساد و بالجنة و باشتمالها على المأكولات و المشروبات و المنكوحات و الملاذ الحسية و بالنار و اشتمالها على جسم محسوس يحرق الجلود و يذيب الشحوم.
و من ترقيهم الى هذا الحد، زاد المتفلسفون و الطبيعيون، فأولوا كلّ ما ورد في الآخرة وردوها الى آلام عقلية روحانية و لذات عقلية روحانية و انكروا حشر الاجساد و قالوا ببقاء النفوس مفارقة، اما معذبة بعذاب أليم و اما منعمة براحة و نعيم لا يدرك بالحس و هؤلاء هم المسرفون عن حد الاقتصاد الذي هو بين برودة جمود الحنابلة، و حرارة خلال (انحلال- خ ل) المؤولة.
و اما الاقتصاد الذي لا يفوته الغالي و لا يدركه المقصي (المقصر- خ ل) فشيء دقيق غامض، لا يطلع عليه الا الراسخون في العلم و الحكم و المكاشفات، الذين يدركون الامور بنور قدسي و روح إلهي لا بالسماع الحديثي و لا بالفكر البحثي.
اقول: و كما ان اقتصاد الفلك في طريق التضاد هو عبارة عن الخروج عن الأضداد، لا كاقتصاد الماء الفاتر الواقع في جنس الحرارة و البرودة الجامع لطرفيهما الممتزج منهما، فكذا اقتصاد الراسخين في العلم ليس كاقتصاد الأشاعرة، لأنه ممتزج من التنزيه في البعض و التشبيه في البعض، كمن يؤمن ببعض و يكفر ببعض.
و اما اقتصاد هؤلاء فهو ارفع من القسمين و ابعد من جنس الطرفين، حيث انكشف لهم بنور المتابعة و الاقتباس من مشكاة النبوة اسرار الآيات و حقايق الصفات على ما هي عليها، من غير تشبيه و تعطيل و تنور باطنهم بنور قذف اللّه تعالى في قلوبهم و شرح به صدورهم، فلم ينظروا في معاني الألفاظ من جهة السماع المجرد و التقليد المحض و الا لأمكن التخالف بينهم و التناقض في معتقداتهم و التنافى بين مطالبهم و مسلماتهم، كسائر الفرق حيث وقع التدافع بين آراء كل فرقة منهم بواسطة تخالف