سه رسائل فلسفى - الملا صدرا - الصفحة ٢٩٤
ان شاء اللّه تعالى في هذا الباب من اسرارهم و تتبعنا من انوارهم، ليكون لك دستورا و ميزانا يمكنك به ان تنظر من ثقبة اسطرلابه الى انوار كواكب القرآن و آيات كتاب العرفان.
ثم لا يخفى على ذوى الحجى ممن له تفقه في الغرض المقصود، من الارسال و الإنزال ان مسلك الظاهريين الراكنين الى ابقاء صور الالفاظ على مفهوماتها الأولية، سيما اذا قالوا (يد) لا كهذه الايدي و (وجه) لا كهذه الوجوه و (سمع) لا كهذه الاسماع و (بصر) لا كهذه الابصار اشبه بالحقيقة الأصلية من طريق المتأولين، و ابعد عن التحريف و التصريف من اسلوب المتفلسفين و المتكلمين، و اصون للتحفظ على عقائد المسلمين من الزيغ و الضلالة و سلوك اودية لا يأمن فيها الغائلة.
و ذلك لان ما فهموه عامة المحدثين و جمهور اهل الرواية من أوائل، المفهومات هي قوالب الحقائق و منازل المعاني التي هي مراد اللّه تعالى و مراد رسوله صلّى اللّه عليه و آله لكن الاقتصار على هذا المقام من قصور الافهام و ضعف الأقدام، و اما التحقيق فهو مما يستمد من ابحر علوم المكاشفة لا يغني عنه ظاهر التفسير، بل لعل الإنسان لو أنفق عمره في استكشاف اسرار هذا المطلب و ما يرتبط بمقدماته و لواحقه لكان قليلا، بل لانقطع عمره قبل استيفاء جميع لواحقه و ما من كلمة من القرآن الا و تحقيقها يحوج الى مثل ذلك و انما ينكشف للعلماء الراسخين من اسراره و اغواره بعد غرازة علومهم و صفاء قلوبهم و توفر دواعيهم على التدبر و تجردهم، للطلب و يكون لكل منهم حظ و ذوق نقص أو كمل قل أو كثر و لهم درجات في الترقى الى اطواره و اغواره و اسراره و انواره.
و اما البلوغ للاستيفاء و الوصول الى الأقصى و المنتهى، فلا مطمع لأحد فيه «قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً» [١] لشرحه و الأشجار اقلاما، فاسرار كلمة اللّه تعالى لا نهاية لها؛ فنفد البحر قبل ان تنفد كلمات ربه، فمن هذا الوجه يتفاوت العقول في الفهم بعد
[١]الكهف [١٨] آيه ١٠٩.