سه رسائل فلسفى - الملا صدرا - الصفحة ٢٩٠
اذ يجوز لأحد عند ذلك ان يحمل كلا من تلك الامور على مجرد تخييل بلا تحصيل، فكما جاز ان يحمل بيت اللّه و تقبيل الحجر و ما في محاسبة العباد يوم القيامة من حضور الملائكة و النبيين و الشهداء و وضع الموازين على مجرد التخييل و التخويف و الترغيب و الارجاء و الترهيب و الإنذار، فليجز مثل ذلك في الحساب و الميزان و الكتاب و الجنة و النار و الزقوم و الحميم و تصلية جحيم. بل الحق المعتمد ابقاء الظواهر على هيئتها و اصلها، اذ ترك الظواهر يؤدي الى مفاسد عظيمة.
نعم اذا كان الحمل على الظواهر مناقضا بحسب الظاهر لأصول صحيحة دينية و عقائد حقة يقينية، فينبغى للإنسان ان يقتصر على صورة اللفظ و لا يبدلها و يحيل العلم به الى الله و الراسخين في العلم، ثم يترصد لهبوب رياح الرحمة من عند اللّه تعالى و يتعرض لنفحات جوده و كرمه، رجاء ان يأتي اللّه بالفتح او امر من عنده و يقضى اللّه امرا كان مفعولا امتثالا لأمره صلّى اللّه عليه و آله: «ان للّه تعالى في ايام دهركم نفحات الا فتعرضوا لها».
ثم ان الذوق الصحيح من الفطرة السليمة، كما انه يشاهد بأن متشابهات القرآن ليس المراد بها مقصورا على ما يعرف كنهها، كل احد من الاعراب و البدويين و القرويين و عامة الخلق و ان كان قشور منها لكل احد فيها نصيب، كذلك هو شاهد أيضا بان المراد ليس مجرد تصوير و تمثيل يعلمه كل من كان له قوة التميز و التصرف في الافكار بحسب استعمال ميزان الفكر و القياس من غير مراجعة الى سبيل اللّه تعالى و مكاشفة الأسرار و الا لما قال سبحانه في باب المتشابه من القرآن: «وَ ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ» [١] و لما قال في الغامض منه «لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ» [٢].
و لما دعا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في حق امير المؤمنين صلّى اللّه عليه و آله: «اللهم فقهه في الدين و علمه التأويل».
[١]آل عمران [٣] آيه ٧.
[٢]النساء [٤] آيه ٨٣.