سه رسائل فلسفى - الملا صدرا - الصفحة ٢١٩
ناعتا له، بل حصول الشيء للفاعل الذاتي، اوكد و اخلق من حصوله لقابله، كما ان جميع صور الأشياء الخارجيّة و الذهنيّة حاصلة للفاعل الحقيقي الإلهي و لا فاعل بالحقيقة الّا هو. و فاعليّة الفواعل الذاتيّة، عبارة عن تكثير جهات افاضته و تعداد حيثيات جعله و افادته. و ذلك الحصول الذي لها عنده تعالى ليس حصولا بمعنى الحلول و الناعتيّة، لاستحالة ذلك في حقّه تعالى، بل حصولا اشدّ و اوكد من حصول صفة الشيء له،
و قد حقّق الشيخ الرئيس و غيره من الحكماء الراسخين: ان حصول صور الممكنات للباري سبحانه و نسبتها إليه، ليس الّا قيّوميّته لها و يتحد في تلك النسبة معنى كونها عنه و فيه.
يعني: ان حصولها عنه تعالى، هو بعينه وجودها له، من غير قيام حلولي و هكذا الحكم في قيام الصّور العقليّة او المتخيّلة للنفس الإنساني.
فان النفس خلقت و وجدت مثالا للبارئ- ذاتا و صفة و فعلا- مع التفاوت الحاصل بين المثال و الحقيقة. و البارئ سبحانه و تعالى منزّه عن المثل، لأنه لا يكون له مشارك في الحقيقة لا عن المثال، لأنّ المثال ليس من حقيقة الممثّل.
فللنّفس الإنسانيّة في ذاتها عالم خاصّ و مملكة شبيهة بمملكة بارئها، مشتملة على أنواع الجواهر و الأعراض، المجرّدة و الماديّة. و اصناف البسائط و المركّبات من الأفلاك المتحرّكة و الساكنة و العناصر و الجماد و النبات و الحيوانات البريّة و البحريّة و ساير الخلائق، يشاهدها بنفس حصولها منها و لها. و الناس لفي غفلة و ذهول عن عالم القلب و عجايب الملكوت الإنساني، لشدّة اهتمامهم بإصلاح الظواهر و قوّة اشتغالهم بعالم الأجسام و نسيانهم امر الآخرة و الرجوع الى الحق و عرفانه «نسوا اللّه فانساهم أنفسهم».
و الحق تعالى خلق النفس الإنسانيّة مثالا له ذاتا و صفة و افعالا، ليكون معرفتها وسيلة الى معرفة الحقّ. كذلك فمن جهل نفسه و احوالها الباطنيّة و افعالها الملكوتيّة، فهو بان يجهل بارئه أخلق و احرى. لأن من لا يعرف المثال الحاضر عنده القريب منه،