سه رسائل فلسفى - الملا صدرا - الصفحة ٢١٣
من غير تعمّل و كسب، لأن المدرك بالذات في كل [١] ادراك، ليس الا نحو وجود الشيء على ما هو تحقيق المحققين من المحصلين- سواء كان الإدراك احساسا او تخيّلا او توهّما او تعقّلا- حسب ما ينقسم الوجود الى المحسوسات و المتخيّلات و الموهومات و المعقولات، لاختلاف مراتب صور الموجودات في التجرد عن المواد و عن الأغشية الماديّة.
و سيتّضح لك ان شاء اللّه أنّ وجود كل شيء ليس الا حقيقة هويّته المرتبطة بنفس الذات، الى الوجود القيّوم الإلهي.
و تبيّن أيضا ان الهويّات الوجوديّة من مراتب تجليات ذاته و لمعات جماله و جلاله.
فاذن ادراك كلّ شيء بأيّ نحو من الإدراك، ليس الا حضور ذلك الشيء عند المدرك على الوجه الذي ينسب إليه سبحانه و مشاهدة المدرك له على الجهة التي هو بها مرتبط الى الحق تعالى و هي موجوديّته و نحو وجوده.
و هذا لا يمكن الا بمعرفة ذات الحق بذاته، لأن صريح ذاته بذاته منتهى سلسلة الممكنات و غاية جميع التعلّقات. فإذا كان التعلّق و الارتباط إليه مقوّما لموجودية كلّ موجود ممكن و العلم ليس الا حضور وجود الشيء مجردا عن نفس المادّة او غواشيها و عوارضها، فلا محالة كلّ من ادرك شيئا باي ادراك كان، فقد ادرك الباري جلّ ذكره، و إن غفل عن هذا الإدراك. فظهر أن جميع من يصحّ منه الإدراك عرفاء اللّه تعالى، و يستوي في هذا الإدراك، الذي هو على الوجه البسيط المؤمن و الكافر و الخواص و العوام من البشر.
و أما الإدراك على الوجه المركّب- سواء كان بطريق المكاشفة او بطريق الاستدلال- فهو ليس مما هو حاصل للجميع، بل للبعض و هو مناط التكليف و مقصد الرسالة، و إليه يتطرّق الخطاء و الصواب و به يحصل احكام الكفر و الايمان.
[١]في بعض النسخ: في كل علم و ادراك ...