الأذان بين الأصالة والتحريف - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ٢٧٦
الأقوال التي قيلت في ذلك، وهل يصح حقاً ما نقل عن بلال بأنّه طلب من أبي بكر أن يذهب إلى الشام كي يرابط على ثغور المسلمين، أو أنّه قال: لا أطيق أن أؤذّن بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، أو غير ذلك؟
إنّ الدقّة في معرفة سير الأحداث تفرض علينا أن نقول: إنّ ترك بلال للأذان لم يكن لمجرّد حالة نفسية وردّة فعل تجاه وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، لأنّ بلالاً كان أتقى وأورع من أن يترك منصباً نصبه فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله) طيلة حياته، ذلك لأنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) لم ينصّبه مؤذِّناً شخصيّاً له، بل أعطاه دور مؤذّن الإسلام، فكيف يترك هذا الدَّور الشريف لمجرّد موت النبيّ (صلى الله عليه وآله)؟! وهو أعلم الناس بما قاله رسول الله (صلى الله عليه وآله) في فضل الأذان والمؤذنين.
بل كيف تعقل صياغة عذر ترجيحه للجهاد في الشام على التأذين للمسلمين، مع أنّ الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أمر المسلمين أن ينضووا تحت لواء أُسامة وفيهم أبو بكر وعمر وغيرهما من الصحابة، ومن الثابت أنّ بلالاً كان مستثنى من هذا الأمر الجهادي، حيث أطبق التاريخ والمـؤرّخون على أنّه كان عند رسـول الله (صلى الله عليه وآله) يؤذّن له حتّى آخر لحظة من لحظات حياته الشـريفة، فكيف تـرك التـأذين ورجّح الجهاد؟!
إن هذا ما لا يعقل في حق بلال، خصوصاً وأنّه لم يُعهد عنه اتخاذه موقفاً مرتبكاً عند موت النبيّ (صلى الله عليه وآله) كما حدث ذلك لعمر بن الخطّاب[١]، بل تلقّى الحادث كباقي المسلمين بألم وأسى، واضعاً نصب عينيه قوله تعالى: {وَمَا مُحمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنْقَلِبْ عَلَى
[١] تاريخ الطبري ٣: ٢٠٢ ـ ٢٠٣ في أحداث سنة ١١ هـ، وأُسد الغابة ٣: ٢٢١.