الأذان بين الأصالة والتحريف - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ١٠٤
فهنا يبدو واضحاً أن أبا سفيان كان أكثر بطئاً في قبول الشهادة الثانية من الأولى، لأنّه كان يتصوّر بأن في الثانية تحطيمَ غروره وجبروته وموقعه السياسي والاجتماعي، وذلك ما لا تعنيه كثيراً الشهادة الاولى بالنسبة له.
وقد ثبت عن أبي سفيان أنّه قال للعباس لما رأى نيران المسلمين وكثرة عددهم: لقد اصبح ملك ابن أخيك عظيماً. فقال له العباس: ويحك! إنها النبوة. فقال: نعم إذن.
وظل منظّر الفكر القرشي على هذه الوتيرة حتّى بعد وفاة النـبي وخلافة الشيخين. فقد روي صاحب "قصص الانبياء" باسناده إلى الصدوق عن بن عباس أنه قال:.. ولقد كنا في محفل فيه أبو سفيان وقد كُف بصره وفينا عليّ صلوات الله عليه فأذن المؤذن فلما قال: اشهد أن محمداً رسول الله، قال أبو سفيان: ها هنا من يحتشم؟ قال واحد من القوم: لا. فقال: لله در أخي بني هاشم، انظروا اين وضع اسمه؟ فقال عليّ: اسخن الله عينك يا ابا سفيان، الله فعل ذلك بقوله عز من قائل {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} فقال أبو سفيان: اسخن الله عين من قال لي ليس ها هنا من يحتشم[١].
بل إن أبا محذورة كان يستحيي من الإباحة باسم رسول الله (صلى الله عليه وآله) من أهل مكّة، إذ جاء في المبسوط للسرخسي ـ عند بيانه لسبب الترجيع في الأذان ـ قوله:... وقيل أن أبا محذورة كان مؤذّن مكّة، فلما انتهى إلى ذكر رسول الله خفض صوته استحياءً من أهل مكّة لأنّهم لم يعهدوا ذكر اسم رسول الله (صلى الله عليه وآله) بينهم جهراً، ففرك رسول الله (صلى الله عليه وآله) أذنَهُ وأمره أن يعود فيرفع صوته ليكون تأديباً له..[٢]
[١] بحار الأنوار ١٨: ١٠٧، ٣١: ٥٢٣ عن قصص الأنبياء.
[٢] المبسوط للسرخسي ١: ١٢٨.