الأذان بين الأصالة والتحريف - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ٨٨
إن مثل هذا التحكيم للرأي الشخصي في مقابل قول رسول الله (صلى الله عليه وآله) يحمل في طياته مخاطر عديدة، ويفتح مسارات للتحريف والتبديل، ومن شأنه أن يحول الدين الالهي إلى دين مشوب بآراء الناس ووجهات نظرهم الشخصية، وهو يجرّ من ثمّ إلى تجزئ الدين والى النزعة التلفيقية في الشريعة، ومن هنا ظهرت في الصدر الأوّل وما بعده الأحكام المبتدعة والأهواء المتّبعة التي ليست من دين الله في شيء، ولا تمت إلى الحياة الإسلامية النزيهة بصلة، وهو الذي كان رسول الله يتخوف على اُمته منه. وقد صرّح الإمام عليّ في خطبة له بأنّه لو أتيحت له الفرصة لأرجع بعض الأُمور إلى أصلها، فقال: (... وإنّما بدءُ وقوع الفتن أهواء تتّبع وأحكام تبتدع، يخالف فيها كتاب الله، يتولّى فيها رجالٌ رجالاً... إلى أن يقول:.. أرأيتم لو أمرت بمقام إبراهيم فرددته إلى الموضع الذي وضعه فيه رسول الله، ورددت فدك إلى ورثة فاطمة، ورددت صاع رسول الله كما كان، وأمضيت قطائع أقطعها رسول الله (صلى الله عليه وآله) لأقوام لم تمض لهم ولم تنفذ، ورددت دار جعفر إلى ورثته وهدمتها من المسجد[١]، ورددت قضايا من الجور قضي بها[٢]، ونزعت نساء تحت رجال بغير حقّ فرددتهن إلى أزواجهن[٣] واستقبلت بهنّ الحكم في الفروج والأحكـام، وسـبيت ذراري بني تغلب[٤]، ورددت ما قسّم من أرض خيبر،
[١] كأنّهم غصبوها وأدخلوها في المسجد.
[٢] كقضاء عمر بالعول والتعصيب في الإرث وسواهما.
[٣] كمن طلّق زوجته بغير شهود وعلى غير طهر، وقد يكون فيه إشارة إلى قوله بعد بيعته: ألا إنّ كلّ قطيعة أقطعها عثمان وكلّ مال أعطاه من مال الله فهو مردود في بيت المال، فإنّ الحقّ القديم لا يبطله شيء، ولو وجدته قد تزوج به. إلخ، وانظر: نهج البلاغة ١: ٤٢ خ ١٤.
[٤] لأنّ عمر رفع الجزية عنهم فهم ليسوا بأهل ذمّة، فيحلّ سبي ذراريهم، قال محيي السنّة البغويّ: روي أنّ عمر بن الخطّاب رام نصارى العرب على الجزية، فقالوا: نحن عرب لا نؤدّي ما يؤدّي العجم، ولكن خذ منّا كما يأخذ بعضكم من بعض، بعنوان الصدقة. فقال عمر: هذا فرض الله على المسلمين. قالوا: فزد ما شئت بهذا الاسم لا باسم الجز ية، فراضاهم على أن ضعّف عليهم الصدقة.