الأذان بين الأصالة والتحريف - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ٦٩
لهم الجمع في مواردها الأخرى؟ فانهم كلّما رقعوا منها جانباً انخرق منها جانب آخر، ونحن تركنا مناقشة تلك الروايات سنداً خوفاً من الاطالة، مكتفين بالتعليق على دلالة بعضها.
وخلاصة القول: أنَّ الأذان كغيره من الشرائع قد جرى فيه اتِّجاهان:
أحدهما: يقول بتشريعه في الإسراء والمعراج وأنَّه من الوحي الذي لا يجوز فيه الزيادة والنقصان.
وثانيهما: يعتقد بأنَّ تشريعه جاء على أثر منام رآه عبدالله بن زيد بن عبد ربّه، أو أنّه شُرِّع بمشورة من الصحابة.
وقد اختلف الاتّجاهان في المفاهيم والأُصول ; لأنَّ القائل بتشريعه في الإسراء والمعراج يربطه بقضايا إلهيّة قدسيّة، حيث إنَّ حقيقة الإسراء هي حقيقة عالية ترتبط بالغيب، وإنَّ أهل بيت الرسالة وبعض الصحابة المتعبّدين كانوا هم المطّلعين بما دار في الإسراء والمعراج، بعكس بعض قر يش التي كانت تنكر حقيقة المسرى وتسخّف مغزاه، فلم تكن تقبل بأن الرسول الأعظم تجاوز الحجب حتّى وصل إلى دار العظمة، حاملاً معه مفاهيم ربانية وأفكاراً عالية لا يمكن الوصول إليها إلاَّ بالاستعانة بالقدرة الإلهيّة، ولا يمكن معرفة دقائقها إلاّ عن أهل بيت الرسالة والوحي، الذين وضحوا لنا المبهم من هذه الأمور.
أمّا القائل بتشريعه عن طريق رؤيا رآها عبدُالله بن زيد، أو سبعةٌ آخرون من الصحابة، فيعطي لفكرته مسحة عدم التوقيف، ليكون له مساغ في أن يزيد في هذه الشعيرة المقدسة، أو ينقص منها.
قال السرخسي في المبسوط: "... بدليل ما روي عن إبراهيم أنَّ: أوّل مَن أفرد الإقامة معاوية. وقال مجاهد: كانت الإقامة مثنى كالأذان حتّى استخفّه بعض