الأذان بين الأصالة والتحريف - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ٦٦
حديثَي الأذان والوضوء؟!
وبعد هذا، لابدّ من الإشارة إلى إشكال آخر أثاره السُّهيليّ[١] والعسقلانيّ وغيرهما حاولوا الاجابة عنه.
قال ابن حجر في إرشاد الساري: (فإن قلتَ: ما الحكمة في تخصيص الأذان برؤيا رجل ولم يكن بوحي؟
أُجيب: لما فيه من التنويه بالنبيّ والرفع لذِكره ; لأنَّه إذا كان على لسان غيره كان أرفَعَ لذكره وأفخَرَ لشأنه، على أنَّه روى أبو داود في المَراسيل أنَّ عمر لمّا رأى الأذان جاء ليخبر النبيّ فوجد الوحي قد ورد بذلك، فما راعه إلاّ أذان بلال، فقال له (عليه السلام): سبقك بها الوحي. ورواة هذا الحديث خمسة، وفيه التحديث والإخبار)[٢].
وهذا التعليل عليل، لأنَّه لو صحّ للزم لحاظ هذا الوجه في كلّ شيء ورد فيه ذِكر الشهادتين، لأنَّ نقل ذلك على لسان غيره أرفع لذكره وأفخر لشأنه وأدفع لتهم أعدائه، في حين نعلم بأنَّ الباري جَلَّ شأنه هو الذي رفع ذِكره بقوله: {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} [٣]، وبعد هذا فلا يحتاج إلى أن يرفع ذكره بعد الباري جلّ شأنه أحدٌ.
هذه أهمّ الأقوال التي قيلت في تشريع الأذان عند مدرسة أهل السنّة والجماعة، وقد يمكن إرجاع بعضها إلى بعض، وتقليص حجم اختلافاتها، غير أنّ إعادة جميع النصوص إلى قول واحد محالٌ من القول، لأنّ القول بتشريعها والتأذين بها في الإسراء والمعراج لا يتّفق مع هَمِّ وغمّ رسول الله في المدينة وجلوسه مع
[١] في الروض الانف ٢: ٣٥٦.
[٢] إرشاد الساري ٢: ٤.
[٣] الانشراح: ٤.