الأذان بين الأصالة والتحريف - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ٤٢٢
باستطاعتهم من النيل منه ومحاولة إسقاط مقامه الشامخ أمام أنظار العوامّ، وعلى هذا الغرار فقد بعث القادر العبّاسيّ ظاهراً ـ أحد وعّاظه ـ إلى مسجد براثا[١] ـ مسجد الشيعة ـ في أحد أيّام الجُمَع، وراح ينال من شخصيّة الإمام عليّ (عليه السلام) بكلّ ما لا يليق به لا من قريب ولا من بعيد، الأمر الذي أثار الشيعة من الذين كانوا حاضرين في ذلك المسجد، فلم يسكتوا على قباحة ذلك الخطيب، وحدث لغط وثارت الحميّة الدينيّة، فلم يكتفوا بالاعتراض اللفظيّ، بل رموا ذلك الخطيب بكلّ ما كان قريباً من أيديهم فأصابوه وكسروا له أنفه[٢]، فكانت هذه الحادثة بمثابة الشرارة الأُولى التي ألهـبت حالـة الصـدامات فيما بين السـنّة والشـيعة في بغـداد في تلك السـنة، وعلى أثـر ذلك فقد كتـب الشـيعة على أبواب دورهـم هذه العـبارة: (محمّـد وعليّ خـير البشـر، فَـمَن رضـى فقـد شكـر، ومَن أبى فقـد كفـر).
ومن خلال هذه الحادثة ومثيلاتها التي حدثت في بغداد على مرّ الأيّام يظهر لنا أنَّ " حيّ على خير العمل " أصبحت تُمَثِّل شعاراً للشيعة، لأنَّ ديدن الجميع هو التأكيد والتركيز عليها، وعدم التنازل عنها وذلك للاعتقاد الجازم بجزئيّتها، بخلاف الحكومات التي خافت منها ومن معناها ومغزاها فدأبت على حذفها،
[١] ومسجد براثا من المساجد العريقة والقديمة جدّاً، وكان يومذاك بمثابة معقل الشيعة وحصنهم الحصين، وتخرّج منه الكثير من الرجال الذين دخلوا تاريخ عالَم التشيّع، حتّى قال عنه ابن كثير في البداية والنهاية ١١: ٢٧١ حوادث سنة ٣٥٤ هـ، إنّه: (عشّ الرافضة)، وكان ابن عقدة يعطي دروسه فيه، ونقل عنه أنّه كان حافظاً لستمائة ألف حديث، ثلاثمائة ألف حديث منها كانت في فضائل أهل البيت(عليهم السلام)، هذا مضافاً إلى إيواء المسجد لعدد كبير من علماء الشيعة، وكانوا على درجة عالية من الوعي والصلابة في الدين، جعلت من أحد النواصب لأن يسمّيه بغضاً وتعنتاً بـ (مسجد ضرار) انظر البداية والنهاية ١١: ١٧٣.
[٢] البداية والنهاية ١٢: ٢٨ ـ ٢٩ حوادث سنة ٤٢٠ هـ.