الأذان بين الأصالة والتحريف - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ٤١٧
رموزها، إلاّ بأنّ المنصفين لم يتمكّنوا من التجّرؤ والقول بأنَّ " حيّ على خيرالعمل " بدعة، وأكثر ما توصّلوا إليه أن يقولوا عنها: إنّ ذلك الأمر لم يثبت، و: ما لم يثبت فمن الأولى تركه وعدم الإتيان به!
ولكن، هل مال جميع المسلمين إلى ذلك؟
أبداً، فكثير من الصحابة وكل أهل البيت وعدّة من التابعين أصرّوا إصراراً شديداً على التمسّك بالإتيان بـ " حيّ على خير العمل " في أذانهم والتأكيد الحازم الجازم على شرعيّة الإتيان بها، وأن ليس من عامل شرعيّ قطعيّ دعا إلى طرحها وإسقاطها.. وقد مرّت في مطاوي البحوث شواهد كثيرة تؤيِّد صحّة ذلك بموضوعية، وقد كان هذا الفصل هو الموضّح لكيفية " تحوّل هذا الأصل الشرعيّ " إلى شعار يميّز الشيعة عن غيرهم، وقد اتّضحت بين ثناياه الدوافع التي دعت أهل السنّة لأن يتّخذوا من (الصلاة خير من النوم) شعاراً لهم، حيث كانت لهذه الجملة أبعادٌ متصلة باجتهاد الخليفة عمر! لا سنة رسول الله.
لقد تجسدت شعاريّة هذا الموضوع بوضوح في العصور المتأخِّرة، ويمكن القول بأنّها تجلّت واضحة في العصر العبّاسيّ الأوّل[١]، وعلى الخصوص في زمن أبي جعفر المنصور الدوانيقيّ، كما وتجسّدت معالم شعاريّة " حيّ على خير العمل " بوضوح أيضاً بعد وفاة المنصور بعد أن صار جلياً وجود تيّارين متباينين، أحدهما يصرّ بإلحاح جادّ على الإتيان بـ " حيّ على خير العمل "، بينما يحاول الآخر منع ذلك بشتى الطرق ولا يرضى بالإتيان بها.
[١] هي الفترة السياسيّة لخلافة بني العبّاس ; من خلافة أبي العبّاس السفّاح إلى خلافة الواثق بالله، أي خلافة: أبي العبّاس السفّاح، والمنصور الدوانيقيّ، والمهدي العبّاسيّ، والهادي العباسيّ، وهارون الرشيد، والأمين، والمأمون، والمعتصم، وآخرهم الواثق بالله، ومن بعد وفاته إلى الغزو المغوليّ لبغداد، اصطلح عليه بين المؤرّخين بالعصر العبّاسيّ الثاني.