الأذان بين الأصالة والتحريف - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ٢٨٢
لقد ثبت أنّ بلالاً أذّن لفاطمة بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقبل خروجه إلى الشام، وأذّن للحسن والحسين بعد وفاة فاطمة عند رجوعه من الشام لزيارة قبر رسول الله (صلى الله عليه وآله)، بل روي أنّه كان يرجع كلّ سنة مرّة إلى المدينة فينادي بالأذان للمسلمين إلى أن مات[١]، فلماذا لم يؤذّن للخليفة الأوّل، ومن بعده للثاني؟!
إنّ حقيقة امتناع بلال من التأذين تتجاوز مسألة ترحيله إلى الشام للمشاركة في الجهاد، بل إنّ المسألة لَتصل إلى معارضته لأصل خلافة أبي بكر وعمر ولأنّه أبى ـ كما يبدو ـ أن يؤذّن لهما بالأذان الذي بُدِّل فيه وغُيِّر، والذي سخّروا له من بعد سعد القرظ مولى قريش، الذي ظل مؤذّناً حتّى للحجّاج الثقفي، ولم يكن له أيّ دور في المدينة في زمان النبيّ (صلى الله عليه وآله).
قال النووي في تهذيب الاسماء: جعل النبيّ (صلى الله عليه وآله) سعد القرظ مؤذناً بقباء، فلما ولي أبو بكر الخلافة وترك بلالٌ الأذان نقله أبو بكر إلى مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) ليؤذن فيه فلم يزل يؤذن فيه حتّى مات في أيّام الحجاج بن يوسف الثقفي، وتوارث بنوه الأذان. وقيل: الذي نقله عمر بن الخطاب[٢].
ولكنّ بلالاً مع ذلك لم يمتنع عن التأذين لأهل البيت والمسلمين المخلصين ـ ولذلك قال جعفر بن محمّد: رحم الله بلالاً فإنّه كان يحبنا أهل البيت[٣] ـ، بل إنّه
[١] انظر: الدرجات الرفيعة: ٣٦٧، نقلاً عن كتاب المنتقى.
[٢] تهذيب الأسماء ١: ٢٠٧.
[٣] الاختصاص: ٧٣. ويدل على اختصاص بلال بعليّ وأهل البيت وعدم إيمانه بشرعية خلافة أبي بكر، ما روي في تفسير الحسن العسكري: في ان بلالاً كان يعظّم أمير المؤمنين (عليه السلام) ويوقره أضعاف توقيره لأبي بكر، فقيل له في ذلك مع أنّ أبا بكر كان مولاه الذي اشتراه واعتقه من العذاب، فأجاب من ذلك بأحسن جواب، فكان فيما قال: ان حقَّ عليٍّ أعظم من حقه، لأنّه أنقذني من رق العذاب الذي لو دام عليّ وصبرت عليه لصرت الى جنات عدن، وعليّ انقذني من رق العذاب الأبد، واوجب لي بموالاتي له وتفضيلي إيّاه نعيم الأبد "تفسير العسكري ٦٢١/ ح ٣٦٥".
هذا وقد بقى بلال إلى آخر لحظات عمره الشريف موالياً لمحمّد وآل محمّد، وقد ردد قبل موته نفس الشعار الذي ردده عمار في صفين من بعد:
| غداً سنلقى الأحبّة | محمداً وحزبه |
"مختصر تاريخ دمشق ٥: ٢٦٧".