الأذان بين الأصالة والتحريف - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ٢٧٧
فما قيل في ترك بلال للأذان لمجرّد وفاة النبيّ (صلى الله عليه وآله) لا يمكن الركون إليه بحال من الأحوال، خصوصاً وأنّ بلالاً لو بقي على أذانه لكان ذلك أقوى للمسلمين وأثبت لنفوسهم، حيث يظلّون يعيشون مع الرسول وذكرياته السماوية العطرة، بل يكون ذلك أبْعَثَ للمسلمين على الجهاد، لأنّه يذكّرهم بأيّام كان ينادي فيها بمحضر النبيّ بالصلاة جامعة للجهاد والخروج والقتال.
على أنّنا نرى أنّهم يستعيضون عن بلال بسعد القرظ الذي لم يؤذن على عهد رسول الله إلاّ ثلاث مرّات بقباء ـ ان صح النقل ـ وأبي محذورة الذي كان يستهزئ بالأذان وبرسول الله[٣]، فلماذا لم يخرج سـعد القرظ للجهاد إذا كان الجهاد أفضل من التأذين؟!
وإذا كان بلال قد ترك الأذان لترجيح الجهاد عليه، فلماذا لا نرى له أيّ مشاركة في قتال المرتدين؟! ولماذا لم يرد اسمه مع أبي بكر في حروب الردّة؟ ونحن نعلم بأنّ حروب الردة قد طالت ـ بين موت النبيّ (صلى الله عليه وآله) وبدء فتوح الشام ـ فاصلة زمنية تقارب سنة[٤] أو أقل.
ولماذا لم يؤذِّن بلال في هذه المدّة لأبي بكر، إذ كان بوسعه أن يؤذّن له، حتّى إذا بدأت مسيرة جيوش المسلمين للشام تركه واشتغل بالجهاد؟
[١] آل عمران: ١٤٤.
[٢] الزمر: ٣٠.
[٣] هذا ما سنوضحه لك في الباب الثاني من هذه الدراسة " الصلاة خير من النوم شرعة أم بدعة " فانتظر.
[٤] بدأت حروب الردة بعد أربعين أو ستين أو سبعين يوماً من وفاة النبيّ، وانتهت بمقتل مسيلمة في ربيع الاول سنة ١٢ هـ.