الأذان بين الأصالة والتحريف - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ٢٧
قال ابن خزيمة في صحيحه في باب "ذكر الدليل على أنّ بدء الأذان إنّما كان بعد هجرة النبيّ إلى المدينة، وأنّ صلاته بمكّة إنّما كانت من غير نداء لها ولا إقامة": "قال أبو بكر، في خبر عبدالله بن زيد: كان رسول الله حين قَدِمَ المدينة إنّما يجتمع الناس إليه للصلاة بحين مواقيتها بغير دعوة"[١].
وهذا الرأي يشير إلى أن الأذان شُرّع بالمدينة وإن كانت الصلاة قد شُرّعت بمكّة:
قال ابن المنذر: هو [(صلى الله عليه وآله) ] كان يصلّي بغير أذان منذ فُرضت الصلاة بمكّة إلى أن هاجر إلى المدينة وإلى أن وقع التشاور[٢].
لكن السيوطي في الدرّ المنثور ـ ضمن تفسير قوله تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً} ـ روى عن عائشة أنّها قالت: ما أرى هذه الآية نزلت إلاّ في المؤذّنين[٣]. وهذه الآية مكّيّة[٤].
ثمّ علّق الحلبي في سيرته على هذا بقوله: والأذان إنّما شُرّع في المدينة فهي ممّا تأخّر حكمه عن نزوله[٥].
وقد سئل الحافظ السيوطي: هل ورد أن بلالاً أو غيره أذّن بمكّة قبل الهجرة؟ فأجاب بقوله: ورد ذلك بأسانيد ضعيفة لا يُعتمد عليها، والمشهور الذي صحّحه أكثر العلماء ودلّت عليه الأحاديث الصحيحة أن الأذان شُرّع بعد الهجرة وأنّه لم
[١] صحيح ابن خزيمة ١: ١٩٠ كتاب الصلاة باب الأذان والإقامة ح ٣٦٥.
[٢] السيرة الحلبية ٢: ٢٩٦.
[٣] الدرّ المنثور ٥: ٣٦٤، المصنّف لابن أبي شيبة ١: ٢٠٤، باب في فضل الأذان وثوابه ح ٢٣٤٧.
[٤] انظر: تفسير القرطبي ١٥: ٣٦٠، وتفسير الثعالبي ٥: ١٣٩.
[٥] السيرة الحلبية ٢: ٢٩٧.