شرف المصطفى - أبو سعيد الخركوشي النيشابوري - الصفحة ٣٠٩ - فصل فيما أوتيه داود (عليه السلام)
١٥٣٠- و كان (صلى الله عليه و سلم) يبكي حتى يغشى عليه، فقيل له: يا رسول اللّه، أ ليس قد غفر اللّه لك ما تقدم من ذنبك و ما تأخر؟ قال: أ فلا أكون عبدا شكورا.
قالوا: و ليّن اللّه لداود (عليه السلام) الحديد حتى كان يأخذ الحديد فيمده كيف شاء، ثم يكون في يده مثل الشمع، فيجعل منه الحلق و البدن.
قلنا: فقد مسح رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) ضرع شاة أم معبد و هي يابسة فتخلصت لبنا.
- يا رسول اللّه، و قد غفر اللّه لك ما تقدم من ذنبك و ما تأخر؟ قال: أ فلا أحب أن أكون عبدا شكورا؟ لفظ البخاري في التفسير، باب لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَ ما تَأَخَّرَ الآية، و فيهما أيضا من حديث المغيرة قال: إن كان النبي (صلى الله عليه و سلم) ليقوم حتى ترم قدماه- أو ساقاه- فيقال له، فيقول: أ فلا أكون عبدا شكورا؟ لفظ البخاري في التهجد، باب قيام النبي (صلى الله عليه و سلم).
فهذا ما روي في سبب سؤالهم لا لأجل أنه كان يبكي حتى يغشى عليه، و ما في الصحيحين أصح و أولى بالإثبات، و اللّه أعلم.
(١٥٣٠)- قوله: «ضرع شاة أم معبد»:
تقدمت القصة في حديث الهجرة، و قد أجاب غيره بأن اللّه قد ألان له الصخر، و قد مرت قصة الكدية التي اعترضت الصحابة و هم يحفرون الخندق فلم يقدروا على كسرها، حتى قام إليها رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و قد ربط على بطنه من شدة الجوع، فضربها ثلاث ضربات فعادت كثيبا أهيل، قال ابن كثير في جزء الشمائل من التاريخ: لا شك أن انسيال الصخر التي لا تنفعل و لا بالنار أعجب من الحديد الذي إن أحمي لان، كما قال الشاعر:
فلو أن ما عالجت لين فؤادها * * * فقسا استلين به للان الجندل
و الجندل: الصخر، فلو أنه أشد قوة من الصخر لذكره هذا الشاعر المبالغ، و قد قال تعالى: ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ-