وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ١٩٩ - الفصل الثالث في العرصة و قصورها، و شيء مما قيل فيها و في العقيق من الشعر
فعلام تخدع نحلك و تكيدها؟ هلا جعلت ما أعطيت عمرا صلة؟ فقال: إنك عاديت سعيدا حيّا و ميتا، و ما بلغ من إثماني لضيعته مكيدة قريش، و لقد علمت قريش أني أحفظ الميت في الحي و أصل الحي للميت، و لهو خير لكم أن أكون كذلك، فأخذ عمرو المال، فأتى به المدينة فقضى دين أبيه، ثم أمر بأخوال أبيه فدخلوا عليه، فوصلهم، ثم أدخل إخوانه، فوقع الشر بينه و بين مروان و مروان خاله، فقال:
يكايدنا معاوية بن حرب * * * و لسنا جاهلين بما يكيد
في أبيات بلغت معاوية، فأنشد:
ألا لله درّ غواة فهر * * * أريد سوى الذي فهر تريد
أراني كلما أخلقت ضغنا * * * أتاني منهم ضغن جديد
في أبيات، قال الزبير: و لم يصح عندي الشعران.
و روي عن سعيد أنه قال لابنه: إن منزلي هذا بالعرصة ليس من العقد، إنما هو منزل نزهة، فبعه من معاوية، و اقض ديني و مواعيدي، و لا تقبل من معاوية قضاء ديني.
و عن نوفل بن عمارة أن سعيدا قال لابنه: إني موصيك بأربع، لا تنقلني من موضعي يعني قصره- حتى أموت فيه؛ فإنه أحب المواضع إليّ، و قليل لي من قومي في بري بهم أن يحملوني على رقابهم إلى موضع قبري، و ذكر الوصايا الثلاث المتقدمة؛ فلما توفي حمله رجال قريش حتى دفنوه بالبقيع، و قصره على ثلاثة أميال من المدينة، ثم رحل ابنه إلى معاوية، فدخل و هو أشعث، فقال له معاوية: ما بالك؟ قال: هلك أبو عثمان، فترحّم عليه، ثم قال: حاجتك فذكر وصاياه، فسأله عن دينه، فقال: ثلاثة آلاف ألف، قال: هو عليّ، قال: إنه أمرني أن لا يكون إلا من صلب ماله، قال: فبعني، قال: بعتك العرصة، قال: قد أخذت القصر بألف ألف، و النخيل بألف ألف، و المزارع بألف ألف، ثم قال: يا أهل الشام، اكتبوا عليه لئلا يندم، و في رواية أنه قال: أمرني أن أبيع في دينه ما استباع من أمواله، قال معاوية: فعرضني ما شئت قال: أنفسها و أحبها إلينا منزله بالعرصة، فقال:
هيهات لا يبيعونه، انظر غيره، قال: تحب تعجيل قضاء دينه؟ قال: قد أخذته بثلاثمائة ألف، قال: اجعلها بالوافية يعني الدرهم زنة المثقال، قال: قد فعلت، قال: و تحملها إلى المدينة قال: و نفعل، فقدم عمرو فجعل يفرقها في الديوان، و يحاسبهم بما بين الدراهم الوافية و هي البغلية و الدراهم الجواز، حتى أتاه فتى من قريش بذكر حق له من أديم فيه عشرون ألف درهم بخط مولى لسعيد و شهادة سعيد على نفسه، فعرف الخط و أنكر أن يكون لذلك الفتى الصعلوك ذلك، فقال: ما سبب مالك؟ قال: رأيته و هو معزول و هو يمشي وحده، فمشيت معه لباب داره، فوقف و قال: هل لك حاجة؟ قلت: رأيتك تمشي وحدك