نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٨٩ - سند الخطبة وزمانها ومكانها
وقد نذروا بي، فخرج صاحب المسلحة إلي، فوقف لي فلم أقدم عليه حتى أخذت غلماناً من أهل القرية. فقلت لهم: أخبروني كم بالأنبار من أصحاب علي عليه السلام؟ قالوا: عدة رجال المسلحة خمسمائة، ولكنهم قد تبددوا ورجعوا إلى الكوفة؛ ولا ندري الذي يكون فيها، قد يكون مائتي رجل، فنزلت فكتبت أصحابي كتائب، ثم أخذت أبعثهم إليه كتيبة بعد كتيبة، فيقاتلهم واللَّه ويصبر لهم، ويطاردهم ويطاردونه في الأزقة، فلما رأيت ذلك أنزلت إليهم نحواً من مائتين، وأتبعتهم الخيل، فملا حملت عليهم الخيل وأمامها ثلاثين رجلًا، وحملنا ما كان في الأنبار من الأموال؛ ثم انصرفت، فو اللَّه ما غزوت غزاة كانت أسلم ولا أقر للعيون، ولا أسر للنفوس منها. وبلغني واللَّه أنّها أرعبت الناس، فلما عدت إلى معاوية، حدثته الحديث على وجهه، فقال: كنت عند ظني بك، لا تنزل في بلد من بلداني إلّاقضيت فيه مثل ما يقضي فيه أميره، وإن أحببت توليته وليتك، وليس لأحد من خلق اللَّه عليك أمر دوني، قال فو اللَّه ما لبثنا إلّايسيراً، حتى رأيت رجال أهل العراق يأتوننا على الابل هرّاباً من عسكر علي عليه السلام. وكان اسم عامل علي عليه السلام على مسلحة الأنبار أشرس بن حسان البكري. قال ابراهيم بن عبداللَّه بن قيس كنت مع أشرس بن حسان البكري بالأنبار على مسلحتها، إذ صبحنا سفيان بن عوف في كتائب تلمع الأبصار منها، فهالونا واللَّه، وعلمنا إذ رأيناهم أنه ليس لنا طاقة بهم ولا يد، فخرج إليهم صاحبنا وقد تفرقنا فلم يلقهم نصفنا، وايم اللَّه لقد قاتلناهم فأحسنا قتالهم؛ حتى كرهونا، ثم نزل صاحبنا، وهو يتلو قوله تعالى: «فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا». ثم قال لنا: من كان لا يريد لقاء اللَّه، ولا يطيب نفساً بالموت، فليخرج عن القرية مادمنا نقاتلهم، فان قتالنا إياهم شاغل لهم عن طلب هارب، ومن أراد ما عند اللَّه فما عند اللَّه خير للأبرار، ثم نزل في ثلاثين رجلًا، فهممت بالنزول معه، ثم أبت نفسي، واستقدم هو وأصحابه، فقاتلوا حتى قتلوا رحمهم اللَّه، وانصرفنا نحن منهزمين. [١]
[١] شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ٢/ ٨٥- ٨٧.