نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٩٢ - تماسك الإمام عليه السلام حيال القتال
بالموت من الطفل بثدي أمه»
وقال:
«والذي نفس ابن أبي طالب بيده لألف ضربة بالسيف أهون علي من ميتة على الفراش في غير طاعة اللَّه»
. وتشهد سيرة الإمام عليه السلام أنّه مارس هذا المعنى عملياً في حياته وما أجهل تلك الجماعة من جيش أهل العراق التي وجهت مثل تلك التهمة للإمام عليه السلام وخشيته من الشهادة في سبيل اللَّه.
قد يقال أنّ اولئك لم يكونوا أدركوا اولى الغزوات الإسلامية. فنقول فهل يسعهم نسيان موقعة الجمل؟ الموقعة التي كان ينقض فيها الإمام عليه السلام كالليث الضاري على جنود الأعداء فيمزق جموعهم وينزل حمم غضبه على رؤوسهم. بل كيف يمكن إتهامه وهو الذي يمثل الإيمان كله في مقابل الشرك كله، أوليس هو القائل:
«لقد كنت وما اهدد بالحرب ولا أرهب بالضرب وإني لعلى يقين من ربّي وغير شبهة من ديني».
وقوله عليه السلام:
«فو اللَّه ما ابالي»
إشارة إلى هذه الحقيقة وهى أنّ الأفراد العاديين ممن لا هدف لهم، هم الذين يخشون الاتجاه نحو الموت، بل ينتظرون قدوم الموت إليهم آخر عمرهم؛ بينما ليس هنالك من فارق بين الخروج إلى الموت أو قدوم الموت حسب الأجل المقدر بالنسبة لأهل الإيمان والورع والتقوى ولعل الموت يمكن تشبيهه هنا بالاسد المفترس، فالفرد العادي لا يتجه إليه أبداً، أما الشجاع فيقدم على مواجتهه دون أن يشعر بخوف أو هلع، فالمؤمن الشجاع حين يرى في الموت الشهادة في سبيل اللَّه ونيل رضوانه يستقبله بكل رحابة صدر، فلو قدر لهذا الموت أن يسلبهم ما تبقى من عمرهم، فانّهم سيستبدلون بذلك الخلود والبقاء. ثم تناول الإمام عليه السلام الاحتمال الثاني الذي أوردته تلك الجماعة بشأن تأخير القتال فقال:
«وأمّا قولكم شكاً في أهل الشام فو اللَّه ما دفعت الحرب يوما إلّاوأنا أطمع أن تلحق بي طائفة فتهتدي بي، وتعشوا [١] إلى ضوئي»
ثم برر ذلك بقوله عليه السلام
«وذلك أحب إلي من أن أقتلها على ضلالها وإن كانت تبوءء [٢] بآثامها».
فالإمام عليه السلام يؤكد هنا على أن القتال لا يمثل هدفاً ولا السبيل الأول لحل الخصومات من وجهة نظر أولياء اللَّه، بل هو العلاج الأخير إذا ما عجزت كل السبل والاساليب، فهم يسعون جاهدين للتريث
[١] «تعشو» في الأصل من مادة «عشو» على وزن ضرب بمعنى الظلمة وعدم وضوح الشيء ومنه صلاةالعشاء لأنها أول الظلمة وعشى بمعنى آخر اليوم الذي يظلم فيه الجو تدريجيا ويقال الأعشى لضعيف البصر.
[٢] «تبوء» من مادة «بوء» على وزن نوع بمعنى الرجوع والعودة وقيل أصلها يعني الصافي والمسطح واريد بهاهنا الرجوع.