نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٧٧ - نظرة إلى الخطبة
يخالفوا مسألة التحكيم في صفين فحسب، بل شككوا في أصل الحكومة وزعموا عدم الحاجة إلى الحاكم، إلّاأنّهم رجعوا عن ذلك لما أمروا عليهم عبداللَّه بن وهب الراسبي [١]. ثم علل الإمام عليه السلام ضرورة تشكيل الحكومة والحاكم
«وإنّه لابدّ للناس من أمير بر أو فاجر»
ليذكر سبعة فوائد تترتب على قيام الحكومة بعضها يتصل بالجانب المعنوي والبعض الآخر بالجانب المادي وهى: أولًا:
«يعمل في إمرته [٢] المؤمن». [٣]
ثانياً:
«ويستمتع فيها الكافر»،
ثالثاً:
«ويبلغ اللَّه فيها الاجل»،
رابعاً:
«ويجمع به الفيئ»،
خامساً:
«ويقاتل به العدو»
سادساً:
«وتأمن به السبل»
سابعاً:
«ويؤخذ به للضعيف من القوي».
ثم تفضي هذه الوظائف السبع إلى هذه النتيجة النهائية المترتبة على الحكومة
«حتى يستريح بر ويستراح من فاجر».
ويدل التأريخ السياسي أنّ فئة قليلة جداً في الماضي وحتى في الوقت الراهن هى التي لاترى ضرورة تشكيل الحكومة- مستدلة ببعض الأدلة الجوفاء التي سنشير لها في البحث القادم- والخوارج مصداق لهذه الفئة. وقد رد التأريخ بصراحة على هذه الفكرة الساذحِة فقد رأينا بأم أعيننا وسمعنا بملئ آذاننا مدى الأخطار الجسام التي يواجهها المجتمع إبان إنهيار الحكومة ولو لساعات من قبيل قتل الأنفس وإراقة الدماء وعمليات السرقة والسلب والنهب التي تتعرض لها المؤسسات بل حتى بيوت الناس وانتهاك الاعراض والنواميس وانعدام الامن والاستقرار وسيادة الفوضى والهرج والمرج الاضطراب وشل حركة كافة النشاطات الاجتماعية؛ كما تصبح البلاد لقمة سائغة للاعداء الذين يعيثون في الأرض فساداً فلا يسلم المؤمن من شرهم ولا الكافر فتهضم جميع الحقوق ويعيش الناس الخوف والذعر فمما لاشك فيه أن الف باء الحياة إنّما يكمن في إستتباب الأمن والنظام، ثم وجود العناصر المقتدرة التي تقف كالطود الشامخ بوجه العدو الخارجي وعملائه في الداخل، ولا يتيسر مثل هذا الأمر إلّافي ظل الحكومة. وهنا يبرز هذا السؤال: هل يسع الحاكم الفاجر أن يقوم بالوظائف السبع المارة الذكر التي يقوم بها الحاكم البر والعادل؟ فقد
[١] شرح نهجالبلاغة لابن أبي الحديد ٢/ ٣٠٨.
[٢] «إمرة» على وزن عبرة مصدر أو إسم مصدر من مادة «أمر»، و «الامرة» هنا بمعنى الحكومة.
[٣] واضح ان الضمير في إمرته يعود إلى مطلق الامير سواء البر أو الفاجر وكذلك ضمير فيها، وليس صحيح ما اورده بعض شرّاح نهجالبلاغة من أنّ الأول يعود إلى البر والثاني إلى الفاجر، أو كلاهما للفاجر.