نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٣ - وقعة الجمل
هوى أنفسهما لنقض البيعة، وأخذا يجيشان الجيوش بما فيها عائشة- زوج النبي صلى الله عليه و آله- ويهيا لقتال علي عليه السلام بذريعة الطلب بدم عثمان [١]، وقد إختارا البصرة- التي كانت ممهدة آنذاك لمثل هذه الفتنة- مركزاً لمؤامراتهم الدنيئة على الإمام عليه السلام.
فالإمام عليه السلام يتطرق في بداية الخطبة إلى هذه المؤامرة فقال: «ألا وإنّ الشيطان قد ذمر [٢] حزبه واستجلب جلبه [٣] ليعود الجور إلى أوطانه ويرجع الباطل إلى نصابه».
فهو يشير عليه السلام إلى الانحرافات والاضطرابات التي أعقبت قتل عثمان ومبايعة الامّة لعلي عليه السلام بالخلافة. والمراد بحزب الشيطان- في الخطبة- أولئك الذين تسلّطوا على بيت مال المسلمين أبان حكومة عثمان وتولوا بعض المناصب الخطيرة، كما كانوا يتطلعون للسيطرة على الخلافة، فالإمام عليه السلام يحذر الامّة من هؤلاء الشياطين الذين يتربصون بها الدوائر وإنَّهم يحيكون المؤامرات من أجل الاستحواذ ثانية على بيت المال وممارسة الظلم والجور بحق المسلمين والحيلولة دون قيام الإمام عليه السلام بوظيفته في إصلاح المجتمع الإسلامي وإجتثاث جذور الفساد والانحراف التي برزت واستفحلت في خلافة عثمان.
وأخيراً يصرح الإمام عليه السلام بعدم وجود أى دليل أو منطق يسوغ لهؤلاء الوقوف بوجه الإمام وقتاله «واللَّه ما أنكروا علىَّ منكراً ولا جعلوا بيني وبينهم نصفاً».
فهو يشير عليه السلام إلى طلحة والزبير والطائفة التي نكثت البيعة، كما يتطرق عليه السلام إلى حجتهم الواهية المتمثلة بقتل عثمان. ثم يورد عليه السلام أقسى العبارات بحقّهما.
[١] لم تكن قضية المطالبة بدم عثمان شعار أهل الشام وذريعتهم لإشعال فتيل صفين، بل استغلت كذلك منقبل طلحة والزبير وعائشة لتنتهي بنشوب معركة الجمل. وقد ذكر ابن أثير- المورّخ المعروف- في «الكامل» أنَّ عائشة حين قدمت إلى المدينة من مكّة سمعت أثناء الطريق بقتل عثمان واجتماع الأمّة على علي عليه السلام، فاغتمت وقالت: ليت السماء أطبقت على الأرض ولم يقع هذا، ثم أمرت باعادتها إلى مكّة. فقالت «إنَّ عثمان قُتل واللَّه مظلوماً» فقام إليها من قال لها: إنّك أول من تحدثت ضد عثمان واسميته نعثلًا (قيل أن نعثلًا رجل يهودي كث اللحية، وقال صاحب «لسان العرب» أن نعثلًا تعني العجوز الأحمق) وأنت قلت: إقتلوا نعثلًا فقد كفر (الكامل ٣/ ٢٠٦).
[٢] ذمّر من مادة «ذمر» بمعنى «التشجيع والحث» وقيل بمعنى التحريك المقرون بالذم والعتاب، ومن هنا كانالذمر على وزن «الذهن» يعني الرجل الشجاع والمتحرك.
[٣] جلب تعني في الأصل السوق والإنتقال ويقال الجلب بالنسبة للأفراد الذين يجمعون بسهولة. استجلب هنا بمعنى الإجتماع.