نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٩٣ - القسم الأول الجهاد باب من أبواب الجنّة
ثم شبه الإمام عليه السلام الجهاد بالدرع الحصينة والجنّة الوثيقة، والوسيلتان من المعدات الدفاعية في القتال، حيث لم يكن من أمان لاولئك الذين يخوضون المعارك سابقاً ولم يتدرعوا، وهذا هو حال الامّة التي تترك الجهاد فهى ضعيفة خاوية تجاه ضربات العدو. ولعل هذه العبارة تشير إلى حقيقة وهى أنّ الجهاد لا يراد به الهجوم على الآخرين ومن أجل التوسع والسيطرة ونهب الأموال والثروات وفرض الأفكار والعقائد، لأننا نؤمن بأنّ الإسلام والقرآن إنّما يستند إلى منطق قوي يغنيه عن شهر السيف بوجه المقابل. وعليه فانّما شرع الجهاد من أجل حفظ المجتمع الإسلامي وإزالة الموانع التي تعترض أساليب التبليغ والقضاء على الموانع التي تحول دون حرية البيان.
أمّا الحروب المعاصرة فهى وإن نحت الدروع القديمة إلّاأنّها تعتمد اليوم الوسائل التي تفوقها في الدفاع من قبيل المدرعات والمصفحات والمواضع المحصنة، كما تلجأ إلى بعض الملابس الخاصة بغية مواجهة الهجمات الكيميائية بحيث لا تتأثر من قريب أو بعيد بخطر هذه الأسلحة.
جدير بالذكر أن ما ذكر بشأن تفسير عبارة الجهاد الأصغر (العدو الخارجي) يصدق تماماً على الجهاد الأكبر (جهاد النفس)؛ حيث لا طاقة للإنسان بهجمات الشيطان دون جهاده لنفسه. ثم تطرق الإمام عليه السلام إلى الآثار السلبية التي يتمخض عنها ترك الجهاد ليوجزها في سبع نقاط، فقال:
«فمن تركه رغبة عنه ألبسه اللَّه ثوب الذل»
وقوله عليه السلام (رغبة عنه) إشارة إلى استثناء الأفراد من هذا الحكم ممن يمتلكون الأعذار الموجهة التي لا تجعلهم قادرين على خوض الجهاد من قبيل العجز والمرض ونحو ذلك؛ الأمر الذي أكدته بعض الآيات القرآنية. [١] الأثر السلبي الثاني لترك الجهاد «وشمله البلاء» فمثل هذا الفرد أو الأمّة إنّما يعتكف في موضع أعزل يجعله عرضة لحملات الحيوانات المفترسة بحيث تدخل عليه دون أدنى مقاومة، والجهاد وحده هو الذي يشكل السد الحديدي إزاء مثل هذا البلاء فينأى بالإنسان بعيداً عن هذه الحيوانات. أمّا الأثر السلبي الثالث فقد أشار إليه الإمام عليه السلام بقوله «وديث [٢] بالصغار [٣]
[١] سورة التوبة/ ٩١- ٩٢.
[٢] «ديّث» من مادة «ديث» بمعنى الذلة والهوان، ومن هنا يصطلح بالديوث على من لا يكترث لعفة أهله، كأنهقد ذلل حتى صار كذلك.
[٣] «صغار» بمعنى الذلة.