نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٧٣ - القسم الأول العرب في الجاهلية
خاطبهم الإمام عليه السلام بهذه الكلمات) كانوا يقطنون في مكة أو المدينة يفيد أن هاتين المنطقتين قد فقدتا قدسيتهما ومكانتهما المعنوية إثر تبدلهما إلى مركز للأصنام والأوثان والفساد والانحراف.
وقد أحاطت بهم عواصف الرمل والرياح المحرقة في تلك الصحاري الجرداء، بحيث إذا تمكن أحدهم من العثور على بقية ماء في بعض البرك والآبار فانه كان على درجة من التلوث والتعفن بسبب هبوب الرياح أو تلويثه من قبل بعض الأفراد حتى ليشعر شاربه بالغثيان، غير أن هؤلاء كانوا مضطرين لشربه، ولم يكن طعامهم بأفضل ممّا عليه الشراب.
نقل أحد شرّاح نهج البلاغة أنّ إعرابياً سئل: «أي الحيوانات تأكلون في البادية؟» قال:
«نأكل كل ما دبّ ودرج الا أم جبين». [١]
أمّا التعبير بالحيات الصم، هو أن الحية الصماء أخطر من غيرها لأنّها صماء لا تنزجر بالصوت، أو لعل سمها أخطر.
أما المحور الثالث فقد أشار فيه الإمام عليه السلام إلى أوضاعهم الاجتماعية المزرية وإنعدام الأمن والاستقرار فقال عليه السلام:
«وتسفكون دمائكم»
والتعبير بالمضارع
«تسفكون دمائكم»
كسائر الأفعال في عبارات الخطبة يفيد استمرار هذه الأوضاع المتفاقمة. والواقع لا تحتاج قضية سفك الدماء المتعارفة بينهم إلى دليل، فسيوفهم تشهر لاتفه الأسباب ليخوضوا أعنف المعارك وأشرسها لشهور بل لسنوات- ولعلنظرة عابرة إلى معاركهم المعروفة بحرب الفجار والتي ستشير إليها لاحقاً تفيد أنّ أولئك الجهال كانوا يخوضون أشرس القتال من أجل أهون الأشياء. وأخيراً أشار عليه السلام إلى المحور الرابع المتمثل بأوضاعهم العاطفية المتردية
«وتقطعون أرحامكم»
ولعل العبارة إشارة إلى قضية وأد البنات ودفنهن أحياءً، حيث كانوا يرون البنت تجر عليهم الخزي والعار، فكان أحدهم يتوارى عن الأنظار خجلًا إذا ولدت له بنت، وهذا ما أشارت إليه الآية ٥٨ و ٥٩ من سورة النحل «وَ إِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ* يَتَوارى مِنَ القَوْمِ مِنْ سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي
[١] شرح نهج البلاغة، ابن ميثم ٢/ ٢٤ أما كيف ضبطت مفردة (أم جبين) فقيل بيائين وقيل باء وياء وقيل بالجيم كما قيل بالماء (أم جبين) و (أم حبين)، كما كثر الكلام بشأن هذا الحيوان فقيل هو نوع من العضايا وتنفر منه عرب البادية لأنّه سام عند الأكل.