نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٧ - المساومة والمصناعة
ثم أبدى عليه السلام نصائحه ووصاياه وفي مقدمتها مراعاة الورع والتقوى فقال عليه السلام:
«فاتقوا اللَّه عباد اللَّه»
. فالتقوى- التي تعني خشية اللَّه في الباطن وعدم مقارفة الذنوب والمعاصي والعمل على طاعة اللَّه- هى أساس الأعمال الصالحة والباقيات الصالحات، ومن هنا ورد التأكيد عليها بصفتها مقدمة لسائر الوصايا الأخلاقية والدينية. ثم أوصى عليه السلام بالفرار من معصية اللَّه إلى طاعته وغضبه وسخطه إلى رضاه وعذابه إلى رحمته ونقمته إلى نعمته «وفرّوا إلى اللَّه من اللَّه» فالعبارة إشارة لطيفة إلى مسألة توحيد الأفعال، لأنّ أية مشكلة تواجه الإنسان في هذا العالم إنّما تفرزها طبيعة أعماله والآثار التي أودعها اللَّه هذه الأعمال. وعليه فمشاكله من ذاته وعقابه ممّا تفرزه أعماله، وعليه فليس أمامه من سبيل لحل مشاكله سوى الفرار إلى اللَّه واللجوء إليه إذ «لا مؤثر في الوجود إلّااللَّه» وكل خير وبركة ونجاة تفاض على الإنسان من اللَّه سبحانه- القرآن من جانبه تحدث عن طائفة من العصاة الذين استحقوا سخط اللَّه وغضبه ولم يعد أمامهم من سبيل سوى اللجوء إلى اللَّه سبحانه «وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إلّااليه» [١] الطريف في الأمر أنّ الإنسان إذا شعر بخوف من أحد لاذ بآخر، إلّاأنّ ذلك ليس كذلك بالنسبة للَّه سبحانه، فاذا ما خافه الإنسان وخشى عذابه، لجأ إليه، وهل هناك من هو أرحم بالإنسان منه؟! هذا هو الدرس الذي ينبغي أن تتعلمه من التوحيد الأفعالي في أنّ اللَّه هو مصدر كلّ خير وحركة وبركة. فللَّه الأسماء والصفات التي تدعونا للجوء إلى اللَّه على كلّ حال وفي كلّ الظروف.
فان خشينا سخطه وغضبه لذنا بعفوه ورحمته، وإن خفنا عدله لجأنا إلى فضله وكرمه.
وأخيراً يبدو أنّ هذه العبارة مقتبسة من قوله سبحانه على لسان رسوله الكريم صلى الله عليه و آله: «فَفِرُّوا إِلى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ» [٢]. ثم قال عليه السلام في الوصية الثالثة «وامضوا في الذي نهجه لكم» ثم أوصى عليه السلام قائلا: «وقوموا عصبة [٣] بكم». والواقع أنّ الإمام عليه السلام قد سنّ بهذه العبارات
[١] سورة التوبة/ ١١٨.
[٢] سورة الذاريات/ ١٥١.
[٣] «عصب» من مادة «عصب» على وزن ضَرَبَ الذي يربط العظام والعضلات، أي كلفكم به وألزمكم أدائه.