نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٦٠ - ٢- السياسات الشيطانية
كنا نعيش مثل هذا العالم، والأنكى من ذلك الفتن التي وقعت بعد خمس وعشرين سنة من رحيل النبي صلى الله عليه و آله حين وصلت الخلافة عام ٣٥ ه فاستهدفت تلك الفتن إعادة الإسلام إلى الجاهلية؛ أمّا السنوات الأخيرة لخلافة عثمان فقد شهدت غياب جميع القيم والمثل الإسلامية، في حين تجددت سنن الجاهلية وأعرافها المقيتة وانبرت طلائع الشرك والنفاق للتسلم مواقعاً حساسة في الحكومة؛ الأمر الذي كان يعقد وظيفة الإمام عليه السلام. صحيح أنّ الإمام عليه السلام تمكن بجهاده المرير أن يحيى القيم والمثل الإسلامية، ولكن المؤسف أنّ الفتن لم تسكن حتى أدت في خاتمة المطاف إلى قتل الإمام عليه السلام في محرابه من قبل تلك الطغمة الضالة. ثم إتسع حجم هذه الفتن على عهد معاوية ويزيد وسائر الشجرة الأموية الخبيثة، فقد سفكت الدماء، واستفلحت البدع، وسادت الأهواء، لتبلغ ذروتها على عهد بني العباس حتى مثل الإسلام وجفت عروقه.
فلو نظرنا إلى هذه الفتن لوقفنا على عمق خطبة الإمام عليه السلام التي حصرت أساس الفتن في أمرين إتباع الهوى والبدع في دين اللَّه؛ الأمران الذان يشاهدان في كل مكان، فقد تمسكت طائفة من أصحاب الفتن بالأمر الأول بينما لاذت طائفة اخرى بالأمر الثاني. ولا نرى البحث يسع الخوض في هذه التفاصيل ونوكلها إلى مكان آخر.
٢- السياسات الشيطانية
من عجائب الدهر أنّ مبادئ السياسة الاستبدادية تقريباً متكافئة طيلة التأريخ. فقد إعتمد فرعون قبل ألف سنة- على ضوء المنطق القرآني- سياسة فرق تسد «إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً» [١] وما زال هذا المبدأ باق على قوته في كافة نقاط العالم الاستكباري، فالحكومات تلجأ إلى أقذر الوسائل من أجل تفرقة الصفوف. ولما كانت السياسة الشيطانية آخذة في التعقيد في عصرنا الراهن أكثر من سائر العصور، فقد تعقد تبعاً لذلك مزج الحق بالباطل، حيث يمزج بعض الساسة الحق بالباطل بالشكل الذي يصعب تمييزه على الناس، وأدنى ذلك خداع الرأي العام ببعض العناوين كحقوق الإنسان والرفق
[١] سورة القصص/ ٣.