نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٣٤ - رأيان في الكوفة
زمان الإمام عليه السلام. وذكر البعض أنّ العبارة إشارة إلى مستقبل الكوفة وتقسيمها إلى أجزاء متعددة، على غرار تقسيم الجلد العكاظي ودبغه وتوسيعه. ثم قال عليه السلام
«تعركين [١] بالنوازل [٢] وتركبين بالزلازل»
وقد ورد مثل هذا المعنى في الخطبة ١٠٨ بقوله:
«تعرككم عرك الأديم»
أي يسلط عليكم بني أمية فيسومونكم سوء العذاب. ونبوءته الثانية التي تمثلت بقوله عليه السلام:
«إنّي لأعلم أنّه ما أراد بك جبار سوءاً إلّاإبتلاه اللَّه بشاغل ورماه بقاتل».
ويمكن أن تكون العبارة
«ابتلاه اللَّه بشاغل»
إشارة إلى الأمراض العضال والالام التي تشغل الظلمة وتصرفهم عن الناس، كما أنّ «ورماه بقاتل» الحوادث التى تهجم على الإنسان من الخارج فتقتله وتقضي عليه.
والحق أنّ ما تكهن به الإمام عليه السلام بشأن الكوفة قد حدث، حيث إتسعت إتساعاً كبيراً بعد الإمام عليه السلام وكانت على الدوام مركزا للفتن والحوادث المريرة، وقد هب أغلب الجبابرة للسيطرة عليها، إلّاأنّ اللَّه كان يبتليهم بأنواع البلاء ويدفع شرهم عنها، ولعل ذلك يعزى لكون الكوفة تشكل مركز استقطاب خلص المؤمنين من الشيعة الأوفياء لعليبن أبي طالب عليه السلام وإن كان بينهم بعض المنافقين. ومن هنا صرحت بعض الروايات بفضل الكوفة. أمّا من بين الأفراد الذين هموا بالكوفة بعد أميرَالمؤمنين عليه السلام زياد بن أبيه. فقد ورد في بعض الروايات أنّ زيادا لما حصبه أهل الكوفة، وهو يخطب على المنبر، فقطع أيدي ثمانين منهم، وهم أن يخرب دورهم، ويجمر نخلهم، فجمعهم حتى ملأ بهم المسجد والرحبة، يعرضهم على البراءة من علي عليه السلام؛ وعلم أنّهم سيمتنعون فيحتج بذلك على استئصالهم وإخراب بلدهم. فخرج خارج من القصر فقال:
إنصرفوا، فانّ الأمير يقول لكم: إنّي عنكم اليوم مشغول؛ وإذا بالطاعون قد ضربه، فكان يقول: إنّي لأجد في النصف من جسدي حر النار حتى مات. [٣]
رأيان في الكوفة
وردت عدة عبارات في نهجالبلاغة بشأن الكوفة وأهلها، ومن ذلك الخطبة المذكورة التي
[١] «تعركين» من مادة «عرك» على وزن درك، من عركت القوم الحرب إذا مارستهم حتى أتعبتهم.
[٢] «نوازل» جمع نازلة بمعنى الحوادث الشديدة.
[٣] شرح نهجالبلاغة لابن أبي الحديد ٣/ ١٩٨.