نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٢١ - القسم الثاني الدنيا دار المنى
القسم الثاني: الدنيا دار المنى
«وَالدُّنْيا دارٌ مُنِيَ لَها الْفَناءُ وَلِأَهْلِها مِنْها الْجَلاءُ وَهِيَ حُلْوَةٌ خَضْراءُ، وَقَدْ عَجِلَتْ لِلطَّالِبِ وَالْتَبَسَتْ بِقَلْبِ النَّاظِرِ، فارْتَحِلُوا مِنْها بِأَحْسَنِ ما بِحَضْرَتِكُمْ مِنَ الزَّادِ، وَلا تَسْأَلُوا فِيها فَوْقَ الْكَفافِ، وَلا تَطْلُبُوا مِنْها أَكْثَرَ مِنَ الْبَلاغِ».
الشرح والتفسير
لقد عرض الإمام عليه السلام هنا بذم الدنيا على أنّ حبّها والتعلق بها يعد من آعظم آفات سبيل سعادة الإنسانية. كما أنّ الاغترار بزخارفها وزينتها أساس الذنوب والمعاصي، فقال عليه السلام
«والدنيا دار مني لها الفناء» [١]
. نعم فدعائم الكون تحكي آثار الزوال والفناء، فالأشجار التي تتفتح في الربيع وتحمل الثمار إنّما تذبل في فصل الخريف لتجف ثم تتساقط أوراقها على الأرض فتعبث بها الرياح هنا وهناك، وكأنّ حياة هذه الاشجار لم تشهد الربيع ولم تحمل الثمار. وهكذا حال الإنسان فالفتى القوي بالأمس، هو العجوز الهرم اليوم، والكهل العجوز اليوم سيكون عظاما نخرة غداً! ثم قال عليه السلام
«ولأهلها منها الجلاء» [٢]
فكافة الأفراد دون إستثناء سيودعون عاجلا أم آجلا هذه الدنيا الفانية ليتجهوا نحو تلك الحياة الخالدة في عالم الآخرة. فهذا قانون إلهي مطلق لا يسع أحد إنكاره والخروج عليه. ومن هنا عبرت بعض الآيات القرآنية عن
[١] مني لها الفناء، أي قدر لها لها الفناء. وتطلق على الآمال التي يخطط لها الإنسان فالمراد أن الفناء مقدر فيطبيعة الدنيا.
[٢] «الجلاء» بمعنى الظهور، ومنه الجلاء عن الوطن بمعنى الخروج منه، وكأنّ الإنسان كان مستخفياً وقدظهر بعد أن خرج من وطنه.