نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٠٠ - الموت يعني إغلاق صحيفة الأعمال
ما ورد في الخطبة بهذا الخصوص ممّا أكدته الآيات القرآنية، حتى صرحت بعض الآيات أنّ أبواب التوبة تغلق حين نزول عذاب الاستئصال (من قبيل العذاب الذي إستهدف إجتثاث جذور الأقوام السابقة حين طغت في الأرض) بحيث لم يعد هناك من مجال لتدراك الأعمال، لأنّ الإنسان في ظل هذه الظروف إنّما يودع الدنيا وينتقل إلى الآخرة مروراً بالبرزخ، ومن ذلك قوله سبحانه: «فَلَمّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنا بِما كُنّا بِهِ مُشْرِكِينَ* فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمّا رَأَوْا بَأْسَنا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ وَخَسِرَ هُنالِكَ الكافِرُونَ». [١]. كما نعلم بأنّ فرعون لما أدركه الغرق وشعر بالموت أظهر الإيمان ولكن أغلقت بوجهه كافة أبواب التوبه فاتاه النداء «آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ المُفْسِدِينَ» [٢]. ونستتج من هذه الآيات وسائر الايات الواردة بهذا الشأن أنّ هناك سنة إلهية تفيد إغلاق صحيفة الإنسان وانقطاع أعماله حين يكون على أبواب الموت المحتم، فليس هنالك من سبيل للعودة والإصلاح. وهنا يبرز هذا السؤال وهو أنّ أغلب الروايات صرحت بأنّ آثار الأعمال الحسنة والسيئة تصل الإنسان بعد موته بحيث تثقل صحيفة أعماله خيرا أم شرا، فقد ورد في الحديث عن رسولاللَّه صلى الله عليه و آله أنّه قال:
«سبعة أسباباً يكتب للعبد ثوابها بعد وفاته، رجل غرس نخلًا أو حفر بئرا أو أجرى نهراً أو بني مسجداً أو كتب مصحفاً أو ورث علماً أو خلف ولداً صالحاً يستغفر له بعد وفاته» [٣]
ومن الواضح أنّ ما جاء في هذا الحديث نموذج باراز لأعمال الخير، أفلا يتنافى هذا الأمر وما ذكر سابقاً؟ والجواب على هذا السؤال واضح فليس هنالك من عمل جديد يقوم به الإنسان بعد الموت، لا إنّ آثار الأعمال السابقة لا تصل إليه. نعم صحيفة الأعمال الجديدة مغلقة ولا يضاف إليها شيئا، أما صحيفة أعماله السابقة قبل الموت فهى مفتوحة دائما وإن الإنسان يقطف ثمار عمله الصالح في البرزخ ويوم القيامة، وتصله حتى الأعمال الصالحة فيما إذا خلف ولداً صالحاً يدعو له ويستغفر له.
[١] سورة المؤمنون/ ٨٤- ٨٥.
[٢] سورة يونس/ ٩١.
[٣] «تنبيه الخواطر»، (طبق نقل ميزان الحكمة، ٣/ ٢٣- ٢٤ مادة عمل).